سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤١٢ - الباب الخامس و الخمسين فى معرفة حسن الخلق
وجه أخيك منهيّا عنه، و إنما المكروه: ما ذكرناه فى أول الباب من التملّق و التصنّع.
و فصل الخطاب فى هذا الباب: ما روى هند بن أبي هاله[١] فى صفة مجلس النبى صلى اللّه عليه و سلم فقال: (كان أصحابه كأنما على رءوسهم الطير).
و معلوم أن من كان على رأسه طائر لا يبرح، و لا يتحرك، و لا يتكلم و لا يطرف بعينه، حذرا أن ينفر الطائر.
و قال ابن المقفع: كان لى صديق من أعظم الناس فى عينى، و كان رأس ما عظّمه فى عينى صغر الدّنيا فى عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا ما وجد، و كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه مئونة، و لا يستخفّ له رأيا و لا بدنا، و كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدا إلّا على ثقة بمنفعة، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذّ القائلين[٢]، و كان متضاعفا[٣] مستضعفا[٤]، فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا[٥]، كان لا يدخل في دعوى، و لا يشارك فى مراء[٦]، و لا يدلى بحجة، حتى يرى قاضيا عدلا و شهودا عدولا، و كان لا يلوم أحدا على ما يكون العذر فى مثله، حتى يعلم ما اعتذاره، كان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء، و لا صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا، و كان لا يتبرّم[٧]، و لا يتسخّط [و لا يشتكى، و لا ينتقم من الولى][٨]، و لا يغفل عن العدو، و لا يخصّ نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، و حيلته، و قوته، فأقف[٩] هذه الأخلاق، فإن لم تطق فخذ القليل خير من ترك الجميع.
[١] - هند بن أبى هالة التميمى: ربيب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأمه خديجة بنت خويلد زوجة النبى صلى اللّه عليه و سلم و أبوه هاله كان زوجها قبل النبى صلى اللّه عليه و سلم و قد كان وصّافا وصف النبى صلى اللّه عليه و سلم و مجلسه و أصحابه استشهد يوم الجمل سنة ٣٦ ه.( الإصابة ٦/ ٥٥٧، و الاستيعاب ٤/ ٥٤٤).
[٢] - بذ القائلين: غلبهم وفاق عليهم.
[٣] - المتضاعف: من يفعل الضعف تواضعا.
[٤] - المستضعف: من يستضعفه الناس لفقره.
[٥] - عاديا: واثبا.
[٦] - المراء: الجدال.
[٧] - لا يتبرم: لا يتضجر.
[٨] - كذا في( خ) و( ط)، و في كتاب الأدب الكبير لابن المقفع:[ و لا يتشهّى و لا يتشكّى، و كان لا ينقم على الولي] و الولي هو الرفيق المحبب.
[٩] - أقف أثره: اتّبع أثره، و في الأدب الكبير:[ فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت- و لن تطيق- و لكنّ أخذ القليل خير من ترك الجميع].