سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧١ - الباب الستون فى بيان الخصلة التى هى أم الخصال و ينبوع الفضائل، و من فقدها لم يكمل فيه خصلة و هى الشجاعة، و يعبر عنها بالصبر، و يعبر عنها بقوة النفس
كأنهم (جزر على الأوضام)[١]، و كان هناك بقربهم قربة فيها شيء من الخمر، فشربناه و سكرنا، ثم اشتهينا شرائح اللحم، فقمنا نقطع من لحومهم و نجعل على النار، و أكلنا منها، ففزع من كنا أسرناه منهم، و بلغ الحديث إلى الروم، فقضت النصارى[٢] تعجبا منا، و قذف الرعب فى قلوبهم.
و روي: أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لقى عمرو بن معد يكرب[٣] فقال له: يا عمرو: أي السلاح أفضل فى الحرب؟ فقال: عن أيّها تسأل؟ قال:
ما تقول فى السّهام؟ قال: منها ما يخطئ و يصيب، قال: فما تقول فى الرّمح؟
قال: أخوك، و ربّما خانك قال: فما تقول فى السيف؟ قال: ذاك ذاك، لا أم لك قال: فما تقول فى الترس؟ قال: هو الدائرة و عليه تدور الدوائر.
و كان عمرو هذا من شجعان العرب و أبطالها، نزل يوم القادسية[٤] على النهر، فقال لأصحابه: إنّى عابر على الجسر، فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور، وجدتمونى و سيفى بيدى أقاتل به تلقاء وجهى، و قد عقرنى القوم و أنا قائم بينهم، و إن أبطأتم وجدتمونى قتيلا بينهم، ثم أنغمس فحمل على القوم فقال بعضهم لبعض: يا بنى زبيد علام تدعون صاحبكم؟ و الله ما أرى أن تدركوه حيا، فحملوا، فانتهوا إليه و قد صرع عن فرسه، و قد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، و إنّ الفارس ليضرب فرسه، فما يقدر الفرس أن يتحرك، فلمّا غشيناه، رمى الرجل بنفسه و خلى فرسه، فركبه عمرو و قال: انا (أبو ثور) كدتم و الله تفقدونى قالوا: أين فرسك؟ قال: رمي بنشّابة[٥]، فعار و شبّ فصرعنى[٦].
[١] - الجزر: هنا ما يصلح من الإبل أو الغنم للذبح. الأوضام: جمع و ضم و هى الخشبة التى يقطع عليها اللحم. و يقال:« تركهم لحما على وضم» أى ذلّلهم و أوجعهم.
[٢] - في( ط) فقضت الناس، و معنى قضت: أي توقفت عن الهجوم.
[٣] - عمرو بن معد يكرب: شاعر فارس من شعراء الجاهلية من أهل اليمن، أسلم سنة ٩ ه ثم ارتد ثم أسلم و حسن إسلامه، و شهد اليرموك و ذهبت فيها إحدى عينيه ثم بعثه عمر إلى العراق فشهد القادسية و كانت أخبار شجاعته كثيرة، فكانت فيه قسوة الجاهلية و يكنى« أبا ثور» له شعر جيد، قيل أنه مات عطشا يوم القادسية و قيل أنه استشهد فى حصار نهاوند سنة ٢١ ه( الأعلام ٥/ ٨٦).
[٤] - القادسية: موقع فى العراق غربى النجف، و هى الآن محافظة لها أربعة أقضية قاعدتها الديوانية، حدثت بها معركة كبرى انتصر فيها المسلمون بقيادة سعد بن أبى وقاص على الفرس بقيادة رستم سنة ١٤ ه.
[٥] - النشابة: السهم.
[٦] - معنى: عار و شب فصرعني: أي انفلت و ذهب هاهنا و هاهنا، و رفع يديه، فألقاني على الأرض.