سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠٨ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
و قال الإسكندر لبعض الحكماء، و أراد سفرا: أرشدنى لأحزم أمرى؟[١].
قال: لا تملكنّ قلبك محبة الشيء، و لا يستولينّ عليك بغضه، و اجعلهما قصدا، فإن القلب كاسمه يتقلب، و له خاصية فى القلب تنزع و ترجع، و اجعل وزيرك التثبّت، و سميرك التيقّظ، و لا تقدم إلا بعد المشورة، فإنها نعم الدليل، و إذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك استعباد.
قال الشاعر:
|
و ما سمّي الإنسان إلا لأنسه |
و لا القلب إلا أنّه يتقلّب |
|
و قيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع.
قيل: فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العناء المعيي؟ قال:
تطبيعك من لا طبع له.
و قال الفضل بن مروان[٢] سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، قال: بذل عرفه[٣]. و جرّد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة و رهبة، لا ينغّص جنده، و لا يحرج رعيته، سهل النّوال، حزن النّكال[٤]، الرجاء و الخوف معقودان فى يده. قلت: فكيف حكمه؟ قال: يردّ الظّلم و يردع الظالم، و يعطى كل ذى حقّ حقّه، فالرّعيّة اثنان: راض و مغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصوّر فى القلوب فتغضي[٥] له العيون. قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائى إليه و إقبال عينى عليه، و كانت الرسل تنزل عندى، فقال لترجمانه: ما الذى يقول الرومي؟ قال: يصف له ملكهم و يذكر سيرته، فكلم الترجمان بشيء، فقال لى الترجمان: يقول أن ملكهم ذو أناة[٦] عند القدرة، و ذو حلم عند الغضب، و ذو سطوة عند المغالبة، و ذو عقوبة عند
[١] - حزم الأمر: الأخذ فيه بثقة( لسان العرب باب: حزم).
[٢] - الفضل بن مروان: وزير، كان حسن المعرفة بخدمة الخلفاء، جيد الإنشاء، أخذ البيعة للمعتصم الخليفة العباسى بعد وفاة أخيه المأمون و كان المعتصم فى بلاد الروم، فجعله المعتصم وزيرا له نحو ٣ سنوات و اعتقله ثم أطلقه و خدم بعده جماعة من الخلفاء إلى أن توفى سنة ٢٥٠ ه،( الأعلام ٥/ ١٥١).
[٣] - عرفه: المعروف و الكرم و الجود.
[٤] - حزن النكال: شديد النكال و العقاب.
[٥] - تغضي له العيون: أي تنخفض مهابة و احتراما.
[٦] - ذو أناة: تأنّي و لين.