سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٠ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
له عن استفسادها، و قد فزعت رعيتك إليك لفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا، و لا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، و ما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصي، و لا بركوب الدّالّة من الدّالّ[١]، و لا بحسن الرّعاية من الراعى، و لم تزل فى نعمة لم تغيّرها نقمة، و فى رضى لم يكدّره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمى منه البصر، و ذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، و السالب هو الواهب، فعد إليه بشكر النعم، و عد به من فظيع النّقم، فمتى تنسه ينسك، و لا تجعلنّ الحياء من التذلّل للمعزّ المذل شركا[٢] بينك و بين رعيتك، فتستحقّ مذموم العاقبة، و لكن مرهم و نفسك بصرف القلوب إلى الإقرار لله بكنه القدرة و تذليل الألسن فى الدعاء بمحض الشّكر، فإن الملك ربما عاقب عبده، ليرجعه عن سيّئ فعل إلى صالح عمل، أو ليبعثه على دءوب[٣] شكر يحوز به فضل أجر، فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام ففعلت، فرجع القوم عن بابه، و قد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ فى الأمر و النهى، فحال عليهما الحول، و ما بينهم مفتقد نعمة كان سلبها، و تواترت عليهم الزيادات بجميل الصّنع، فاعترف الملك لها بالفضل، فقلدها الملك بعده، و جمع الرعية على الطاعة لها فى المحبوب و المكروه، فهذا فعل الله تعالى بأعدائه و ضرائر[٤] نعمته، لما شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع، و زادهم من فضله ما تمنّوه، فكيف بمن يوحّدونه و يؤمنون به، لو صدقت نيّاتنا و صحّت ضمائرنا؟
و قال الواقدى[٥]: توفى رسول بعض الملوك بدمشق، فى خلافة هشام[٦] فوجد فى جيبه لوح من ذهب، مكتوب فيه: إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، و إذا مات الاعتصام عاش الانتقام، و إذا ظهرت الخيانات امتحقت[٧] البركات.
[١] - الدّالة: مؤنث الدال و هي الجرأة.
[٢] - الشرك: الشراكة بينك و بينهم.
[٣] - دأب دأبا و دءوبا في العمل: استمر عليه فهو دائب و دءوب.
[٤] - ضرائر: جمع ضروري.
[٥] - الواقدى محمد بن عمر بن واقد السهمي من أقدم المؤرخين فى الإسلام تولى قضاء بغداد و اتصل بخالد البرمكى كان عالما إماما له عدة تصانيف منها المغازى و الفتوحات، توفى سنة ٢٠٧ ه،( الأعلام ٦/ ٣١١).
[٦] - أى هشام بن عبد الملك الأموى العاشر و قد سبقت ترجمته.
[٧] - امتحقت: زالت.