سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٢ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
و قال بزرجمهر: ثلاث هنّ سرور الدنيا، و ثلاث هن غمّها، فأما السرور:
فالرضا بالقسم، و الرضا بالطاعة فى النّعم[١]، و نفى الاهتمام بالرزق لغد.
و أما الغم: فحرص مسرف، و سؤال مجحف، و تمنى ما يلهف.
و مر بعض الملوك بغلام يسوق حمارا غير منبعث[٢] و قد عنّف عليه فى السوق، فقال: يا غلام ارفق به، فقال الغلام: يا أيها الملك، فى الرّفق به مضرة عليه، قال: و ما مضرته؟ قال: تطول طريقه و يشتدّ جوعه، و فى العنف إحسان إليه. قال: و ما الإحسان إليه؟ قال: يخفّ حمله و يطول أكله، فأعجب الملك بكلامه، و قال له: قد أمرت لك بألف درهم، قال: رزق مقدور، و واهب مأجور، قال: قد أمرت بإثبات اسمك فى حشمى. قال: كفيت مئونة، و رزقت بها معونة، قال: لو لا أنك حديث السّن لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون الحمد و الذّم بعد التجربة، و لا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. قال: فاستوزره فوجده ذا رأي صليب و فهم رحيب[٣]، و مشورة تقع مواقع التوفيق.
قال: و كتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس[٤]- و قد نفذ فى الشرق و الغرب، و بلغ منهما ما لم يبلغه أحد قبله- اكتب إلىّ وعظا موجزا ينفع و يردع، فكتب إليه: إذا استولت بك السلامة فجدّد ذكر العطب، و إذا هنتك العافية فحدّث نفسك بالبلاء، و إذا اطمأنّ بك الأمن فاستشعر الخوف، و إذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، فإن أحببت نفسك فلا تجعلنّ لها فى الإساءة إليها نصيبا.
قال: و وعظ بعض الحكماء ملكا فقال له: أيها الملك؛ إنّ الدنيا دار عمل، و الآخرة دار ثواب، و من لا يقدّم لا يجد، فهنّ نفسك حلاوة عيشها بترك الإساءة إليها، و اعلم أن زمام العافية بيد البلاء، و أمن السّلامة تحت جناح العطب، و باب الأمن مستور بالخوف، فلا تكونن فى حال من هذه الثلاثة غير
[١] - غير منبعث: أى بطيء فى سيره لأنه مقيّد بقيد.
[٢] - في( خ) و العمل بالطاعة في النّعم.
[٣] - وجده صلب الرأي واسع الفهم.
[٤] - أرسطاطاليس: مربى الإسكندر فيلسوف يونانى من كبار مفكرى اليونان و تأثر كثير من المفكرين عبر العصور بفكره و تآليفه التى نقلت للعربية قيل إنه مات( ٣٢٢ ق. م)