سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١١ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
و قال الوضّاحى[١]: وجّه أنوشروان رسولا له إلى ملك قد أجمع على محاربته، و أمره أن يتعرّف سيرته فى نفسه و رعيته، فرجع إليه، فقال: وجدت عنده الهزل أقوى من الجد، و الكذب أكثر من الصدق، و الجور أرفع من العدل، فقال أنوشروان: رزقت الظّفر به، سر إليه، و ليكن عملك فى محاربته بما هو عنده أضعف و أقلّ و أوضع، فإنك منصور و هو مخذول، فسار إليه[٢] فقتله، و استولى على مملكته.
و قال بزرجمهر: المزح آفة الجدّ، و الكذب عدوّ الصدق، و الجور مفسدة الملك فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته، و إذا استصحب الكذب استخفّ به، و إذا بسط الجور فسد سلطانه.
و كان نقش خاتم رستم- و هو أحد ملوك الفرس- الهزل مبغضة، و الكذب منقصة، و الجور مفسدة.
و قتل لبعض أصحاب (اسفنديار)[٣] رجل من الترك، فأصيب[٤] فى عنقه لوح ذهب، مكتوب فيه: آفة الشّدة التهيّب، و آفة المنطق الحياء، و آفة كلّ شيء الكذب.
و قيل لبعض الحكماء: ما قيمة الصدق؟ قال: الخلد فى الدنيا. قيل: فما قيمة الكذب؟ قال: موت عاجل. قيل: فما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد.
قيل: فما قيمة الجور؟ قال: ذل الحياة.
و قال: و سأل ملك الهند الإسكندر- و قد دخل بلاده- ما علامة الملك و دولته؟ قال له: الجد فى كل الأمور. قال: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيه.
قال: فما سرور الدنيا؟ قال: الرضا بما رزقت. قال: فما غمّها؟ قال: الحرص على ما لعلّك لا تناله.
[١] - الوضّاحى: محمد بن الحسن بن على بن الوضاح الأنبارى أبو عبد الله، شاعر أصله من الأنبار، انتقل إلى خراسان و نيسابور- و علت شهرته توفي في نيسابور سنة ٣٥٥ ه،( الأعلام ٦/ ٩٧).
[٢] - في( خ) فسار إليه فعمل بما أوصاه فقتله.
[٣] - اسفنديار بن بشتاسب من ملوك الفرس، ملك تركيا لما نقضت الصلح مع والده بشتاسب، فسار إليهم و قتل و سبى و دوخ البلاد ثم سيّره والده إلى رستم و قتله، انظر: الكامل في التاريخ ١/ ٢٠٨ و ما بعدها.
[٤] - أصيب في عنقه: أي وجد في عنقه.