سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٥ - أبو بكر الطرطوشي ٤٥١ - ٥٢٠ ه ١٠٩٥ - ١١٢٦ م
و لما بلغ الخامسة و العشرين من عمره، أخذ يجوب البلاد بين طالب للعلم و معلم له، ففي حوالي سنة ست و سبعين و أربعمائة للهجرة، بدأ الطرطوشي رحلته خارج بلاده الأندلس، فكانت أولى محطاته مكة المكرمة، حيث أدى فريضة الحج.
ثم استأنف رحلته نحو العراق، فدخل بغداد عاصمة الثقافة و مهد الحضارة و مركز الفنون و الآداب، محط رحال العلماء و الأدباء و الشعراء و الحكماء.
و هناك أقبل الطرطوشي على علمائها، حيث تفقه على أبي أحمد الجرجاني، و أبي سعيد المتولي، و أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي (المعروف بالمستظهري من أئمة الشافعية)، و سمع من قاضيها أبي عبد اللّه الدامغاني، و أبي محمد رزق اللّه التميمي الحنبلي، و أبي عبد اللّه الحميدي، كما ذهب إلى البصرة و سمع (سنن أبي داود) من أبي علي محمد بن أحمد التستري و أخذها عنه.
ثم نزل الشام و تنقل بين بلداتها يشتغل بالتدريس، و نزل بيت المقدس، و في هذه الفترة كانت قد تشكلت شخصيته و بعد صيته، و أقبل الناس عليه ينهلون من علمه، و نورد فيما يلي بعض أقوال المؤرخين و العلماء فيه: قال عنه ابن بشكوال و ابن خلكان[١]: (كان إماما عالما، زاهدا ورعا، ديّنا متواضعا، متقشفا متقلّلا من الدنيا، راضيا باليسير. أخبرنا عنه القاضي أبو بكر ابن العربي، فوصفه بالعلم و الفضل و الزهد و الإقبال على ما يعنيه، و قال لي: إذا عرض لك أمر دنيا و أمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا و الأخرى و كان كثيرا ما ينشد:
|
إنّ لله عبادا فطنا |
طلّقوا الدنيا و خافوا الفتنا |
|
|
فكّروا فيها فلمّا علموا |
أنّها ليست لحي وطنا |
|
|
جعلوها لجّة و اتخذوا |
صالح الأعمال فيها سفنا |
|
و زاد ابن خلكان قال: و قال الطرطوشي: كنت ليلة نائما في بيت المقدس، فبينما أنا في جنح الليل، إذ سمعت صوتا حزينا ينشد:
[١] - الصلة لابن بشكوال ج ٢ ص ٥٧٥ و وفيات الأعيان ج ٤ ص ٢٦٢.