سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٤٦ - الباب السابع و الأربعون فى سيرة السلطان فى استجباء الخراج
الباب السابع و الأربعون فى سيرة السلطان فى استجباء الخراج[١]
أيّها الملك: من طال عدوانه زال سلطانه، و اعلم: أنّ المال قوة السلطان، و عمارة المملكة، و لقاحه الأمن، و نتاجه العدل، و هو حصن السلطان، و مادّة الملك، و المال أقوى العدد على العدو، و هو ذخيرة الملك، و عمارة المملكة، و حياة الأرض، و من حقه أن يؤخذ من حقّه، و يوضع فى حقه، و يمنع من سرف، و لا يؤخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها و مصالحها، ثم ينفق ذلك فى الوجوه التى يعود عليها نفعها، فيا أيها الملك: احرص كل الحرص على عمارة الأرضين، و السلام.
أيها الملك: مر جباة الأموال بالرّفق، و مجانبة الخرق[٢]، فإن العلقة[٣] تنال من الدم، بغير أذى و لا سماع صوت، ما لا تناله البعوضة بلسعتها و هول صوتها.
و لما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، استعمل عليها ابن أبى السرح[٤]، فحمل من المال أكثر مما كان يحمله عمرو فقال عثمان: يا عمرو؛ أشعرت أنّ اللّقاح[٥] درّت بعدك؟ فقال عمرو: ذلك لأنكم أعجفتم[٦] أولادها.
و قال زياد: أحسنوا إلى المزارعين، فإنكم لم تزالوا سمانا ما سمنوا.
[١] - للخراج عدة معان هى:( الضريبة التى تؤخذ من أموال الناس- المال المفروش على الأرض- الجزية التى كانت تفرض على أهل الذمة- غلة الأرض.
[٢] - الخرق: الحمق.
[٣] - العلقة: دودة تمتص الدم.
[٤] - عبد الله بن أبى السرح: من أبطال الصحابة و من كتّاب الوحى، أسلم قبل فتح مكة، كان على ميمنة عمرو بن العاص حين فتح مصر ثم وليها سنة ٢٥ ه بعد عمرو بن العاص و استمر ١٢ سنة زحف خلالها على أفريقية بجيش فيه الحسن و الحسين أبناء علي رضي الله عنهم أجمعين و دانت له كل أفريقية و كان قائد معركة( ذات الصوارى) سنة ٣٤ ه حيث انتصر على الروم، و لما قتل عثمان رضي الله عنه ولّى علي مكانه قيس بن سعد فتوجه للشام و مات سنة ٣٧ ه.( الأعلام ٤/ ٨٨).
[٥] - اللقاح: الإبل و الأغنام المرضعة.
[٦] - أي منعتم أولادها: من الرضاع فأصبحت هزيلة.