سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٤٧ - الباب السابع و الأربعون فى سيرة السلطان فى استجباء الخراج
و فى منثور الحكمة: من جاوز فى الحلب حلب الدّم.
و فى الأمثال: إذا استقصى العجل فى مصّ أمّه رفسته.
و قال جعفر بن يحيى[١]: الخراج عمود الملك، و ما استغرر بمثل العدل، و لا استتر بمثل الظلم[٢]، و أسرع الأمور فى خرائب البلاد: تعطيل الأرضين، و هلاك الرعية، و انكسار الخراج بالجور، و التحامل.
و مثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج حتى ضعفوا عن عمارة الأرضين، مثل من يقطع لحمه و يأكله من الجوع، فهو و إن قوى من ناحية، فقد ضعف من ناحية، و ما أدخل على نفسه من الوجع و الضعف، أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع.
و مثل من كلّف الرعية من الخراج فوق طاقتها، كالذى يطين سطحه بتراب أساس بيته، و من يدمن حزّ العمود يوشك أن يضعف فتقع الخيمة.
و إذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين، فيتركونها فتخرب الأرض، و يهرب الزّرّاع، فتضعف العمارة، فيضعف الخراج، و ينتج ذلك ضعف الأجناد، و إذا ضعف الجند طمع الأعداء فى السلطان.
أيها الملك: كن بما يبقى فى يد رعيّتك، أفرح منك بما تأخذ منها لا يقلّ مع الصلاح شيء، و لا يبقى مع الفساد شيء، و صيانة القليل أولى من تربية الجليل- فلا مال لأخرق و لا عيلة[٣] لمصلح.
و روي أن المأمون أرق ليلة، فاستدعى سميرا فحدّثه بحديث، فقال: يا أمير المؤمنين: كان بالموصل بومة[٤]، و بالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أنكحك ابنتى إلا أن تجعلي فى صداقها مائة ضيعة خراب، فقالت بومة الموصل: لا أقدر عليها الآن، و لكن إن دام والينا- سلّمه الله- علينا سنة واحدة، فعلت لك ذلك، قال: فاستيقظ المأمون، و جلس للمظالم، و أنصف الناس بعضهم من بعض، و تفقّد أمر الولاة.
[١] - جعفر بن يحيى البرمكى: وزير الرشيد، سبقت ترجمته.
[٢] - استغزر: من الغزارة و الكثرة. و استتر: اختفى أو أصبح قليلا.
[٣] - العيلة: الفقر.
[٤] - البومة: للذكر و الأنثى- طائر يسكن الخراب يضرب به المثل فى الشؤم.