سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٥ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
و نظمه بعض الشعراء فقال:
|
أيّها العبد كن لما لست ترجو |
من نجاح أرجى لما أنت راج |
|
|
إنّ موسى مضى ليقبس نارا |
من ضياء رآه و اللّيل داج |
|
|
فأتى أهله و قد كلّم اللّه |
و ناجاه و هو خير مناج |
|
|
و كذا الكرب كلّما اشتدّ بالعبد |
دنت منه راحة الانفراج |
|
و روي أن العدوّ نزل بساحل إفريقية[١]، فى عدد كثير من المراكب، ففني ماؤهم و عطشوا، فنفر المسلمون لهم فى خلق عظيم من تلك السواحل و الحصون، فمنعوهم النزول لاستقاء الماء، و أرسلوا إلى المسلمين أن يخلّوهم و استقاء الماء، فأبوا، فتضاعف عطشهم حتى أشرفوا على الهلاك، ففتحوا أناجيلهم[٢] و أخذوا فى الدعاء و الاستسقاء إلى الله تعالى و التضرّع إليه، فلم يك بأوشك من السماء أن ألقت بأوداقها[٣] ثم أرخت ماء كثيرا، فبسط القوم أنطاعهم و جفانهم[٤] و آنيتهم فشربوا و ملئوا أوانيهم، فضج المسلمون عند ذلك و قالوا: هؤلاء كفار و أعداء الله و رسوله، قد أخلصوا إلى ربهم، و أنابوا إليه، و سألوه ماء يحيون به رمقهم، فأغاثهم، فنحن أحق بالدعاء و التضرع إلى الله سبحانه، و أولى بالإجابة منهم، ثم جدّ المسلمون فى الدعاء و الصلاة، و الابتهال إلى الله تعالى فى أن يريهم آية يقوى بها قلوب الضعفاء، و يتزايد شكر أهل المعرفة و الأولياء، فبينما هم كذلك، إذ أرسل الله تعالى عليهم ريحا فبدّدتهم، و مزقتهم كلّ ممزق، و كسرت مراكبهم، و لم يجتمع منهم اثنان.
و من عجائب صنع الله تعالى فى هذا الباب: أن رجلا من ديار بكر[٥] جاء إلى بيت المقدس، و زار قبر الخليل صلى اللّه عليه و سلم، و أكل من ضيافته، فطارت حبّة عدس من ذلك الطعام فى خيشومه، و رام خروجها بكل حيلة فأعجزته، حتى تركته مضنى، ثم رجع إلى بلاده، فبينما هو جالس إذ عطس فطارت العدسة فى
[١] - كذا في( خ) بساحل إفريقية، و في( ط) بساحة إفريقية.
[٢] - جمع إنجيل: و هو كتاب النصارى.
[٣] - الودق: المطر. قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ[ النور: ٣٠].
[٤] - النطع: قطعة من الجلد. و الجفنة: القصعة.
[٥] - ديار بكر بن وائل، قبيلة عربية من ربيعة.