سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٣ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
خبرا، فيئس منه و سار إلى الموصل، مسلوب المال، فوافاها نهارا جائعا، عريانا فقيرا، مجهودا، فاستحيا أن يدخل نهارا فيشمت العدو و يحزن الصديق، فبقى حتى أمسى، ثم دخل فدقّ باب الدار، فقيل: من هذا؟ فقال فلان- يعنى نفسه- فأظهروا سرورا عظيما و حاجة إليه، و قالوا: الحمد لله الذى جاء بك فى هذا الوقت، على ما نحن فيه من الضرورة و الحاجة و الفاقة، حملت جميع مالك و طال سفرك، و احتاج أهلك، و قد ولدت اليوم ولدا، و و الله ما وجدنا ما نشترى به شيئا للنّفساء، و لقد كانت هذه الليلة طاوية على حالها، فتحيّل لنا فى دقيق، و دهن نسرج به، فلا سراج عندنا.
فزاده ذلك غمّا، و كره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم، و أخذ وعاء للزيت و جرابا للدقيق، و خرج إلى هذا الحانوت، و كان فيه رجل يبيع الدقيق و الزيت و العسل و نحوه، و قد أغلق دكّانه و أطفأ مصباحه و نام. فناداه فأجابه و عرفه، و شكر الله على سلامته، فقال التاجر لصاحب الحانوت: أقدح زنادا[١] أزن لك الدراهم فى دقيق و زيت و عسل احتجت إليه الساعة، و كره أن يخبره بتأخير الثمن فيمتنع منه، فقدح البياع الزناد و استصبح، فقال له لتاجر: زن لى من الدقيق كذا، و من الزيت كذا، و من العسل كذا، و من السمن كذا، و من الملح كذا، و بينما هو كذلك إذ حانت منه التفاته إلى قعر الحانوت، فرأى فيه خرجه الذى هرب به صاحبه، فلم يملك أن وثب عليه و التزمه، و ألقى يده في أطواق صاحب الحانوت و جذبه إلى نفسه، و قال: يا عدوّ الله: أين مالى؟ فقال له صاحب الحانوت: مالك يا فلان؟ فو الله ما علمتك متعدّيا، و ما علمتنى جنيت عليك و لا عليّ سواك، فما هذا؟ قال: [خرجى فرّ به خادم لي خدمنى بجميع مالى و بحماري][٢]، قال: ما لي علم، غير أن رجلا ورد عليّ بعد العشاء، و اشترى منّي عشاء، و استضافنى فأضفته، و جعلت هذا الخرج فى حانوتى، و هذا الحمار فى دار جارنا، و الرجل فى المسجد بائت، فقال له: احمل معى الخرج، و انهض إلى الرجل، فرفع الخرج معه و ألقاه على عاتقه، و مشى معه إلى المسجد، فإذا الرجل نائم فى المسجد، فركضه برجله، فقام الرجل مذعورا، فقال له: مالك؟ فقال له: أين مالى يا خائن؟ قال: هو ذا على عنقك، و الله ما
[١] - أقدح الزناد: أى اشعل النار أو المصباح.
[٢] - في( خ) قال:[ هذا خرجي فرّ لي به خادم لي خدمني، فيه جميع مالي].