سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٧٠ - الباب الثانى عشر فى التنصيص على الخصال التى زعم الملوك أنها أزالت دولتهم و هدمت سلطانهم
و حمل على أهل خراجنا[١] فقلّ دخلنا و بطل عطاء عبيدنا، فزالت الطاعة منهم لنا. و قصدنا عدوّنا فقلّ ناصرنا. و كان أعظم ما زال به ملكنا، استتار الأخبار عنّا.
و قالت الحكماء: أسرع الخصال فى هدم السلطان، و أعظمها و أسرعها في إفساده و تفريق الجمع عنه، إظهار المحاباة[٢] لقوم دون قوم، و الميل إلى قبيلة دون قبيلة، فمتى أعلن بحب قبيلة، فقد برئ من قبائل، و قديما قيل:
المحاباة مفسدة.
و قال مهيوذ الموبذان[٣]: من زوال السلطان: تقريب من ينبغى أن يباعد، و مباعدة من ينبغى أن يقرّب، و حينئذ حان أوان الغدر.
و قيل لملك بعد ذهاب ملكه: ما الذى أذهب ملككم؟ قال: ثقتي بدولتي، و استبدادي بمعرفتي، و إغفالي استشارتي، و إعجابي بشدّتي، و إضاعتي الحيلة وقت حاجتي، و التأنّي عند العجلة.
و لما أحيط بمروان الجعدى[٤] و هو آخر ملوك بنى أمية، قال: يا لهفاه على دولة ما نصرت و كفّ ما ظفرت، و نعمة ما شكرت، فقال له خادمه (نسيل)- و كان من أولاد أشراف الروم-: من أغفل الصغير حتى يكبر، و القليل حتى يكثر، و الخفيّ حتى يظهر، أصابه مثل هذا.
و سئل بعض العلماء: ما الذى أذهب ملك بني مروان؟[٥]: قال: تحاسد الأكفاء، و انقطاع الأخبار، و ذلك أن يزيد بن عمر[٦] كان يحب أن يضع من
[١] - حمل على أهل الخراج: الخراج الجزية أو المال المفروض على الأرض، و معنى حمل عليهم أى أثقل عليهم.
[٢] - حابى محاباة و حباء الرجل: أى نصره و مال إليه و اختصه دون سواه.
[٣] - الموبذان: كلمة فارسية و تعني القاضي أو رئيس القوم.
[٤] - يقصد مروان بن محمد( مروان الحمار)، آخر خلفاء بنى أميّة، قتل سنة ١٣٢ ه، و كان يلقّب بمروان الجعدى نسبة إلى معلمه الجعد بن درهم.( سبقت ترجمته).
[٥] - فى( خ) ملك بنى أمية.
[٦] - فى( ط) زيد بن عمر خطأ، و المقصود يزيد بن عمر بن هبيرة من بنى فزارة، قائد و أمير جمعت له ولاية العراق أيام مروان بن محمد، قاتله العباسيون حتى تعبوا ثم أعطوه الأمان، و لكن السفاح نقض عهده معه و بعث إليه من قتله سنة ١٣٢ ه،( الأعلام ٨/ ١٨٥).