سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٧٣ - بنت النعمان بن المنذر في حوار مع سعد بن أبي وقاص
ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال:
|
عش ما بدا لك سالما |
في ظلّ شاهقة القصور |
|
|
يسعى عليك بما اشتهيت |
لدى الرّواح و في البكور |
|
|
و إذا النّفوس تقعقعت |
في ضيق حشرجة الصّدور[١] |
|
|
فهناك تعلم موقنا |
ما كنت إلا في غرور |
|
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى[٢]: بعث إليك أمير المؤمنين لتسرّه فأحزنته، فقال هارون: دعه، فإنّه رآنا في ضلالة و عمى، فكره أن يزيدنا عمى.
و يروى أن سليمان بن عبد الملك[٣]، لبس أفخر ثيابه، و مس أطيب طيبه، و نظر في مرآته، فأعجبته نفسه، و قال: أنا الملك الشاب، و خرج إلى الجمعة، و قال لجاريته: كيف ترين؟ فقالت:
|
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى |
غير أن لا بقاء للإنسان |
|
|
ليس فيما بدا لنا منك عيب |
عابه النّاس غير أنّك فاني |
|
فأعرض بوجهه ثم خرج، فصعد المنبر، و صوته يسمع آخر المسجد، فركبته الحمّى، فلم يزل صوته ينقص، حتى ما سمعه من حمله، فصلى و رجع بين اثنين يسحب رجليه، فلما صار على فراشه، قال لجاريته: ما الذي قلت لي في صحن الدار و أنا خارج؟ قالت: ما رأيتك، و لا قلت لك شيئا، و أنّى لي بالخروج إلى صحن الدار؟
فقال: إنّا لله و إنا إليه راجعون، نعيت إليّ نفسي، ثم عهد عهده، و أوصى وصيّته، فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا و هو في قبره.
و وجد مكتوبا على قصر سيف بن ذي يزن[٤]:
[١] - تقعقعت: اضطربت. و حشرج: غرغر عند الموت و تردد نفسه.
[٢] - الفضل بن يحيى البرمكي: من الأسرة الفارسية التي تولى أبناؤها الوزارة في عهد الرشيد، و هو أخو الرشيد بالرضاعة و مؤدب الأمين بن هارون الرشيد، توفي سجينا بالرقة سنة ١٩٣ ه، إثر ما عرف بنكبة البرامكة سنة ١٨٧ ه.( الأعلام ٥/ ١٥١).
[٣] - سليمان بن عبد الملك: الخليفة الأموي السابع، سبقت ترجمته.
[٤] - سيف بن زي يزن: من ملوك العرب، سبقت ترجمته.