سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦١ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و قال العتبي[١]: أعطي الحكم بن عبد المطلب[٢]، جميع ما يملكه، فلما نفد ما عنده، ركب فرسه و أخذ رمحه يريد الغزو و مات بمنبج[٣]، فأخبرني رجل من أهل منبج، قال: قدم علينا الحكم و هو مملق[٤] لا شيء معه فأغنانا، قيل: كيف أغناكم و هو مملق؟ فقال: ما أغنانا بمال و لكنه علمنا الكرم، فعاد ببعضنا على بعض فاستغنينا.
و أكرم العرب في الإسلام: طلحة بن عبيد اللّه[٥]، جاءه رجل فسأله برحم بينه و بينه، فقال: هذا حائطي بمكان كذا و كذا، و قد أعطيت به ستمائة ألف درهم، يراح بالمال إلى العشية فإن شئت فالمال و إن شئت الحائط.
و يروى: أن رجلا بعث إلى حنظلة بجارية، فوافته بين أصحابه، فقال: قبيح أن آخذها لنفسي و أنتم حضور، و أكره أن أخصّ بها واحدا منكم و كلكم له حق و حرمه، و هذه لا تحتمل القسمة، و كانوا ثمانين رجلا، فأمر لكلّ واحد منهم بجارية أو وصيف[٦].
و قيل لقيس بن سعد[٧] هل رأيت قط أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها، فقالت له، إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها، و قال: شأنكم، فلما كان الغد جاء بأخرى و نحرها، و قال: شأنكم، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم أضيافي
[١] - العتيبي أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد اللّه الأموي، أديب كثير الأخبار توفى سنة ٢٢٨ ه و هو غير العتيبي المؤرخ محمد بن عبد الجبار( الأعلام ٦/ ٢٥٨).
[٢] - الحكم بن عبد المطلب بن عبد الله بن المطلب القرشي المخزومي كان من أجواد قريش من أهل المدينة قدم منبج و سكنها مرابطا إلى أن مات فيها( فوات الوفيات ١٢/ ١٢٣).
[٣] - منبج: مدينة سورية في محافظة حلب، كان أبو فراس الحمداني قد حكمها قبل أن تأسره الروم.
[٤] - مملق: شديد الفقر.
[٥] - كان يلقب بطلحة الجود، صحابي شجاع من الأجواد و أكرم العرب في الإسلام و هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي المدني و هو أحد العشرة المبشرين بالجنة و أحد الستة أصحاب الشورى كان من دهاة قريش و علمائهم شهد الغزوات مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و كانت له تجارة وافرة مع العراق و لكنه لم يدع أحدا من بني تميم عائلا إلا كفاه مئونته، قتل يوم الجمل سنة ٣٦ ه و هو بجانب عائشة.( الأعلام ٣/ ٢٢٩).
[٦] - الوصيف: الخادم.
[٧] - هو قيس بن سعد بن عبادة الصحابي الخزرجي الأنصاري و قد سبقت ترجمته.