سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٥ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
رجل على ناقة له، فقال يا رسول الله، أدعها و أتوكل؟ فقال: «اعقلها و توكل»[١].
و التوكل و الاعتصام بالقدر يستمدان من العقل، و الطلب و الكسب يستمدان من الأمر، فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه، و القطع بكون ما حكم به.
فمن رام أمرا من الأمور: ليس الطريق فى تحصيله أن يغلق بابه عليه، و يفوّض أمره إلى ربه، و ينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق: أن يشرع في طلبه على الوجه الذى شرعه الله فيه. (و قد ظاهر النبى صلى اللّه عليه و سلم بين درعين[٢] و اتخذ خندقا حول المدينة) يستظهر[٣] فيه، و يحترس من العدو، و أقام الرّماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد[٤]، و كان يلبس لأمة الحرب[٥] و يعبّئ الجيوش، و يأمرهم و ينهاهم بما فيه مصالحهم، و استرقى[٦] و أمر بالاسترقاء، و تداوى و أمر بالمداوة، و قال (أنزل الداء الذى أنزل الدواء)[٧].
[١] - رواه الترمذى عن أنس و قال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه و قال السيوطى: الحديث ضعيف( الجامع الصغير: السيوطى رقم ١١٩١)، و كشف الخفاء ١/ ١٦١.
[٢] - أى لبس درعين فوق بعضهما البعض و قد ذكر الحافظ الذهبى أن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم لبس يوم أحد درعين-( السيرة النبوية- الحافظ الذهبى ص ٣٥٦).
[٣] - يستظهر: يحتمي و يستعين به.
[٤] - سبق الحديث عن الرماة و كيف نزلوا عن الجبل ظنا منهم ان الحرب قد انتهت، فالتفّ حولهم خالد بن الوليد بن المغيرة و كان على الكفر و قد أسلم قبل فتح مكة سنة ٧ ه فسرّ رسول الله صلى اللّه عليه و سلم بإسلامه، و ولاه أعنّة الخيل و قد وجهه أبو بكر الصديق لقتال المرتدين كما سيّره للعراق ففتح الحيرة، ثم سيره للشام فكان بطل معركة اليرموك إلى أن عزله عمر بن الخطاب و ولى مكانه أبو عبيدة عامر بن الجراح فأصبح خالد جنديا من جنوده يجاهد فى سبيل الله و مات بحمص فى سورية سنة ٢١ ه( الأعلام ٢/ ٣٠٠).
[٥] - لأمة الحرب: عدة الحرب، و منها الدرع المحكم الجودة و الرمح و السيف ...
[٦] - استرقى و أمر بالاسترقاء: أى استعمل الرقية و قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط و هي: أن تكون بكلام الله أو أسمائه و صفاته، و أن تكون باللسان العربى و ما يعرف معناه، مع الاعتقاد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى( فتح المجيد- شرح كتاب التوحيد- عبد الرحمن آل شيخ ص ٩٦).
و بهذا الخصوص فقد وردت أحاديث كثيرة تجيز الرقية إذا كانت بالمعوذات و النفث كما وردت احاديث أخرى تنهى عن الرقية إذا خالطها شرك( صحيح مسلم/ باب رقية المريض بالمعوذات و النفث) و( باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك)، انظر صحيح مسلم( الأحاديث رقم ٢١٩١- ٢٢٠٠).
[٧] - حديث إن الله أنزل الداء و الدواء .. رواه أبو داود عن أبى الدرداء، و قال السيوطى حديث ضعيف( الجامع الصغير ١٦٩٦) و لكن روى مسلم فى صحيحه مثل هذا الحديث عن جابر( رقم ٢٢٠٤) بلفظ[ لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء تبرأ بإذن الله عز و جل].