سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٦ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
فإن قيل: قدر روي أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل»[١].
قلنا: أ ليس قد قال: اعقلها و توكل؟ و ظاهر بين درعين و سائر ما ذكرناه آنفا؟
فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟
قلنا: معناه؛ من استرقى و اكتوى متّكلا على الرّقية و الكيّ، و أنّ البرء من قبلهما خاصة، فهذا يخرجه من التوكل، و إنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى، فأما من باشر الأسباب و الأدوية، و تعاطى تدبير الأمور بنفسه و أعوانه و ماله، على ما جرت به سيرة الله تعالى فى أرضه، و عادته فى خلقه، غير معتمد على شيء من ذلك، بل هو واثق القلب أنّ ما حصل فبتقديره، و ما تعسر فبتقديره، معتمدا فى ذلك على المسبّب لا على الأسباب، فهذا هو المتوكّل، لكن شرطه أن يمشى فى ذلك كله مع الأثر[٢]، و لا يسلك طريقا فيه معصية، فليس يستدرج[٣] ما عند الله بمعاصيه.
و قال علي بن أبى طالب رضى الله عنه: من ابتغى أمرا بمعصية الله كان أبعد لما رجا و أقرب لمجيء ما اتقى.
و من ظن أن الطلب و الاكتساب يناقض التوكل، فقعد فى بيته و أغلق بابه متكلا على الله تعالى فى زعمه، كان عن العقل خارجا، و فى تيه الجهل والجا[٤]، و يقال له: قبحت يا هذا، إذ جعت و حضر الطعام، فهو إلى الطعام أحوج منه إلى المعرفة، و ينبغى لأهله ان يداووه.
أ لا ترى أن الله تعالى قال لمريم[٥]: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [مريم: ٢٥] فهلّا أمرها بالسّكون، ثم حمل الرطب إلى فيها؟
[١] - رواه الإمام أحمد و الترمذى و ابن ماجة و الحاكم فى المستدرك عن المغيرة و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى رقم ٨٥٠٧).
[٢] - الأثر: ما أثر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أو صحابته من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية و خلقية، و في( خ) الأمر.
[٣] - يستدرج: يؤخذ بالتدريج.
[٤] - التيه: الضياع، والجا: داخلا.
[٥] - مريم العذراء أم عيسى ٧ ورد ذكرها فى القرآن الكريم فى سورة مريم.