سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٢ - الباب الستون فى بيان الخصلة التى هى أم الخصال و ينبوع الفضائل، و من فقدها لم يكمل فيه خصلة و هى الشجاعة، و يعبر عنها بالصبر، و يعبر عنها بقوة النفس
و يروى: أن عمرا حمل يوم القادسية على رستم[١]- و هو الذى قدّمه يزدجرد[٢] ملك الفرس على قتال المسلمين- فاستقبل عمرو رستما على فيل فقطع عرقوبه، فسقط رستم و سقط الفيل عليه مع خرج كان عليه، فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستما، و انهزمت العجم- و روى ان قاتل رستم زنيم بن فلان.
و أما الضربة التى حكيناها التى حازت ثلث البيضة[٣]، بما حوته من الرأس، فلم يسمع بمثلها فى جاهلية و لا إسلام، فحملتها الروم و علقتها فى كنيسة لهم، و كانوا إذا عيّروا بانهزامهم، يقولون: لقينا أقواما هذا ضربهم، فيرحل أبطال الروم إليها ليروها.
و إنما كانت العرب تفخر فى هذا الباب بقول النمر بن تولب[٤] يصف ضربة سيف.
|
أبقى الحوادث و الأيام من نمر |
آثار سيف قديم أثره بادي[٥] |
|
|
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به |
بعد الذراعين و القيدين و الهادى[٦] |
|
و ينشد قول النّابغة[٧] فى السيف أيضا:
|
يقدّ السلوقىّ المضاعف نسجه |
و يوقد بالصفّاح نار الحباحب[٨] |
|
[١] - رستم: القائد الفارسى الذى هزمه سعد بن أبى وقاص فى القادسية سنة ١٤ ه.
[٢] - يزدجرد: حمل هذا الاسم ثلاثة من ملوك الساسانيين الفرس اشهرهم ابن شاهبور الذى اشتهر بعدله، اما هذا فهو يزدجر الثالث بن شهريار و الذى قتله المسلمون فى معركة القادسية سنة ١٤ ه و بموته انقرضت دولة الفرس و قيل أنه قتل بعد هذا التاريخ.
[٣] - أي القصة التي مرّت قبل صفحتين و فيها أنّ أهل بلده وجدوا قطعة من بيضة حديد( ص ٤٦١).
[٤] - النمر بن تولب بن زهير العكلى- شاعر مخضرم كان من ذوى الهمّة و الوجاهة لم يمدح أحدا و لا هجا و كان كريما وهابا لماله، أدرك الإسلام و هو كبير السن فوفد على النبى صلى اللّه عليه و سلم و كتب عنه كتابا لقومه يدعوهم للإسلام، و عاش إلى أن خرّف و قيل مات سنة ١٤ ه( الأعلام ٨/ ٤٨).
[٥] - أثرة بادى: يعني ظاهر مكشوف.
[٦] - القيد: القدر و المسافة. الهادى: العنق.
[٧] - النابغة الذبيانى الشاعر المشهور سبقت ترجمته.
[٨] - يقدّ: يمزّق. السلوقى: الدروع، و سلوقية: نسبة إلى قرية باليمن اسمها سلوق. المضاعف نسجه: أي الدروع المنسوجة على ضعفين. الصفاح: الحجارة. الحباحب: دويبة تضيء كالنار ليلا.
و المعنى: أن هذا السيف يمزق الدروع المضاعفة الصنع، و من شدّة الضربة يصل للحجارة فتنقدح منها النار.