سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٣٣ - الباب السابع و الخمسون فى تحريم السعاية و النميمة و قبحها و ما يؤول إليه أمرها من الأفعال الرديئة و العواقب الذميمة
الْبَيانَ [الرحمن: ١- ٤] و خلق فيه أعضاء تذلّل[١] و تستهان، و جعلها مجرى لفضول الطعام و الشراب، فمن يتّبع سقطات الكلام، و يروى عثرات الأنام، التى هى كالعورات الواجب سترها و دفنها، كان قد استعمل أشرف الآلات فى أخسّ[٢] المستعملات، فصار كمن لحس بلسانه سوأة أخيه، و جعل أكرم جوارحه لأخس أجناس المستعرضين، و رضى أن يقع من الناس موقع الذباب من الطير، يتتبع ثفل[٣] الجسد، و يتحامى صحيحه، و قد كان له فى نشر المحاسن شغل، و لكن أهل كل ذى حال أولى بها. و فى هذا سبق المثل: (إن لم تكن ملحا تصلح، فلا تكن ذبابا تفسد) و من لم يقدر على جميع الفضائل فلتكن همّته ترك الرذائل، و إذا تتبع الإمام عورات الناس أفسدهم.
و روى: أن النبى صلى اللّه عليه و سلم همّ بالخروج يوما فسمع قوما من أصحابه يضحكون، فامتنع من الخروج إليهم حذر أن لا يفسد قلبه عليهم[٤].
و لو علم الذى يسمع أخبار الناس ما جنى على نفسه، لعلم أنّ الصّمم كان أهنأ لعيشه، و أنعم لباله من سماع الأخبار.
يا واحد[٥]: ما ذا عمل نقلة الأخبار؟ حملوا إليك الصدق أو الكذب؟
فتكون فى سماع الكذب ممن قال اللّه تعالى فيه: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٤٢] و تكون فى سماع الصدق حمالا للهمّ، حرج الصّدر على الخلق، معاديا لهم، متتبّعا لعثرات الخلق و خزّانا لسقطاتهم، قد وعيت منهم ما يجب ستره، و حفظت ما يجب نسيانه، ثم لا تستطيع النّصفة من قائل، لأنّك إن كنت ذا قدرة أهلكت الرعيّة، ثم لا تستطيع أن تهلك جميع الرعيّة، و إن كنت سوقة[٦] لم يشف غيظك، ثم أفسدت إخوانك و أبغضت من يجب أن تحبّه، و أحببت من يجب أن تبغضه، ثم لا تزال تتحمل
[١] - في( خ) تذلّ و تستهان.
[٢] - الخسّة و الدناءة.( ط) أخصّ: من الخصوصية، و الأول أوجه.
[٣] - الثفل: ما يستقر فى اسفل الشيء من كدره.
[٤] - لم أجده في الصحاح من الكتب.
[٥] - وردت هذه العبارة في( ط) و في( خ):[ أمّا واحدة].
[٦] - السوقة أى عامة الناس.