سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢٣ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
لقيني خصيّان[١] فأخذاني من الحرسيّين، فأعجلاني في قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو[٢] الذي هو فيه، فتلقياني خصيّان دونهما، فأخذاني فأعجلاني في البهو، فقال لهما هارون: ارفقوا بالشيخ، فلما وقفت بين يديه قلت له: يا أمير المؤمنين، ما مرّ بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب فيه من يومي هذا، فاتّق الله في خلقه، و احفظ محمدا في أمته، و انصح لنفسك في رعيتك، فإن لك مقاما بين يدي الله تعالى، أنت فيه أذلّ من مقامي هذا بين يديك، فاتّق الله، و اعلم أنّ من أخذ الله و سطواته على أهل المعصية كيت و كيت، قال: فاضطرب على فراشه، حتى نزل إلى مصلّى بين يدي فراشه، فقلت: يا أمير المؤمنين: هذا ذلّ الصّفة، فكيف لو رأيت ذلّ المعاينة؟ قال: فكادت نفسه تخرج. فقال يحيى[٣] للخصيّين: اخرجوه، فقد أبكى أمير المؤمنين.
ثم دخل مرّة أخرى، فقال: عظني و أوجز، قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الذي أكرمك بما أكرمك به، لحقيق أن تحبّ ما يحب، و تبغض ما أبغض، فو الله لقد أحبّ الله دارا و أبغضتها، و أبغض دارا و أحببتها، كأنّما أردت خلاف ربّك، أو أردت سواه، و اعلم يا أمير المؤمنين، أنّ الذي في يدك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك، فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، فاتّق الله في خلافته، و احفظ وصيّة محمد صلى اللّه عليه و سلم في أمّته.
و دخل هارون على بعض النسّاك[٤] فسلّم عليه، فقال: و عليك السلام، ثم قال: أيها الملك، أ تحب الله؟ قال: نعم. قال: فتعصيه؟ قال: نعم. قال:
كذبت و الله في حبّك إيّاه، إنّك لو أحببته إذا ما عصيته، ثم أنشأ يقول:
|
تعصي الإله و أنت تظهر حبّه |
هذا لعمري في المقال بديع |
|
|
لو كان حبّك صادقا لأطعته |
إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع |
|
|
في كل يوم يبتديك بنعمة |
منه و أنت لشكر ذاك مضيع |
|
[١] - خصيان: الخصي هو من سلّت خصيتاه و نزعتا، و المقصود بهما الخدم المرافقين.
[٢] - البهو: القاعة أو محل الاستقبال.
[٣] - يحيى: المقصود هو يحيى بن خالد البرمكي، وزير هارون الرشيد و مؤدبه قبل انقلاب الرشيد على البرامكة و قتلهم سنة ١٩٠ ه( الأعلام ٨/ ١٤٤).
[٤] - في( خ): دخل على الفضيل بن عياض، و هو من أكابر العباد الصالحين، توفي سنة ١٨٧ ه.