سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢٢ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
طاوس[١]، فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضّدت، و بين يديه أنطاع[٢] قد بسطت، و بين يديه جلاوزة[٣] بأيديهم السيوف، يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا، فأطرق عنّا طويلا، ثم رفع رأسه و التفت إلى ابن طاوس، و قال: حدّثنا عن أبيك، قال: نعم، إنّي سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى اللّه عليه و سلم: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه»[٤]، فأمسك أبو جعفر ساعة. قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينضحني بدمه، فأمسك أبو جعفر ساعة حتى أسودّ ما بيننا و بينه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه، ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه، ثم قال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال:
أخشى أن تكتب بها معصية، فأكون شريكك فيها. فلمّا سمع ذلك قال: قوما عنّي. قال ابن طاوس: ذلك ما كنّا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
و قال أحمد بن أبي الحواري[٥]: سمعت رجلا يحدّث عن ابن السمّاك[٦] قال: بعث إليّ هارون[٧] فلما انتهيت إلى باب القصر، أخذ حرسيّان بضبعيّ[٨]، فأعجلاني في دهليز[٩] القصر، فلما انتهيت إلى باب القاعة،
[١] - ابن طاوس: عبد الله بن طاوس بن كيسان الهمذاني، من عبّاد اليمن و فقهائهم و رجال الحديث المشهورين، و المعروف عن والده طاوس بن كيسان تقشفه و جرأته على وعظ الخلفاء و الملوك، و قد سار عبد الله على نهج والده، توفي سنة ١٣٢ ه( الأعلام ٤/ ٩٤).
[٢] - الأنطاع و النطوع: مفردها: نطع، و هو السياط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس.
[٣] - جلاوزة: مفردها جلواز و هو الشرطي الذي يخفّ في الذهاب و المجيء بين يدي الأمير.
( المعجم الوسيط، باب: جلز).
[٤] -- و الله أعلم- هذا ليس بحديث، بل هو من كلام الفقيه العابد المحدث طاوس اليماني، و قد ذكرت هذه الحكاية في كتب التاريخ و الأعلام، فذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان عن عبد الله بن طاوس قال: حدثني أبي قال:( إن أشد الناس ...).( وفيات الأعيان- لابن خلكان ج ٢/ ص ٥١١).
و ذكرت كذلك في كتاب( شذرات الذهب ١/ ١٨٨).
[٥] - أحمد بن أبي الحواري: أحد العلماء الزهاد المشهورين، أصله من الكوفة، و سكن دمشق، و كان يلقب بريحانة الشام، له أحوال صالحة و كرامات واضحة و من المحدثين، توفي سنة ٢٤٩ ه( سير أعلام النبلاء- الذهبي، ج ١٢/ ٨٥).
[٦] - ابن السماك واعظ الرشيد: سبقت ترجمته.
[٧] - هارون: أي هارون الرشيد الخليفة العباسي الرابع( سبقت ترجمته).
[٨] - الضبع: وسط العضد، أو العضد كله.
[٩] - الدهليز: المسلك الطويل الضيق.