سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٢ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
فكما أن الزرع يكون في أول نباته أخضر ناعما اهتزّت الأرض به بعد يبسها، فجاءت في العيون كأملح ما يكون، ثم يهيج فتراه مصفرّا، أي يكبر و يستوي، فيجفّ و يحترق، و يتكسّر أعلاه، و يستقلّ بسنبله، ثم يداس فيكون حطاما، أي تبنا متكسّرا متقطّعا. و هذا مثل ضربه الله تعالى لبني آدم، إذ كانوا أطفالا أول الولادة، و في حالة الطفولية كأحسن مرأى، يعجبون الآباء، و يفتنون ذوي الأحلام و النّهى[١]، ثم يكبرون فيصيرون شيوخا، منكّسة رءوسهم، مقوّسة ظهورهم، قد ذهب حسنهم و نعومتهم، و فني شبابهم و جمالهم، و ذوت غضارتهم و نضارتهم، و استولى عليهم الهرم و الشيب، ثم يموتون فيصيرون حطاما في القبور، كالتبن في الجرين[٢]، هذا بعد ما وصفها بخمس صفات مذمومة: لعب، و لهو، و زينة، و تفاخر، و تكاثر.
و كان الصدر الأول يسمي الدنيا خنزيرة، و لو وجدوا لها اسما أقبح منه لسمّوها به، و كانوا يسمونها أم دفر- و الدّفر: النّتن-.
و قال مالك بن أنس[٣]: بلغني أن ملكا من ملوك بني إسرائيل، ركب يوما في زيّ عظيم، فانتشر[٤] له الناس ينظرون إليه أفواجا، حتى مرّ برجل يعمل شيئا مكبّا عليه، لم يلتفت إليه و لا رفع رأسه إليه، فوقف الملك عليه، و قال:
كلّ الناس ينظرون إليّ إلا أنت! فقال الرجل: إني رأيت ملكا مثلك، و كان على هذه القرية فمات هو و مسكين، فدفن إلى جنبه في يوم واحد، و كنّا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما، ثم كنّا نعرفهما بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما، و كشف عنهما، فاختلطت عظامهما، فلم أعرف الملك من المسكين، فلذلك أقبلت على عملي، و تركت النّظر إليك.
و روي أن داود ٧، بينا هو يسيح في الجبال؛ إذ وافى على غار، فنظر فإذا فيه رجل عظيم الخلق من بني آدم، و إذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه: أنا رستم الملك، ملكت ألف عام، و فتحت ألف مدينة،
[١] - ذوى النهى: أصحاب العقول.
[٢] - الجرين: البيدر أو الموضع الذي يجفف فيه الثمر و نحوه.
[٣] - مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري: إمام دار الهجرة و أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة و إليه تنسب المالكية، و لمذهبه انتشار كبير في المغرب، ولد و توفي بالمدينة( ٩٣- ١٧٩ ه)( الأعلام ٥/ ٢٥٧).
[٤] - في( خ) فتشرف له الناس: أي نظروا إليه من الشرفات.