سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٥٥ - الباب التاسع فى بيان منزلة السلطان من الرعية
الباب التاسع فى بيان منزلة السلطان من الرعية
اعلموا أنّ منزلة السلطان من الرّعية، بمنزلة الرّوح من الجسد، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة، و سرت فى جميع أجزاء الجسد، فأمن الجسد من الغير، و استقامت الجوارح و الحواس، و انتظم أمر الجسد، و إن تكدّرت الروح أو فسد مزاجها، فيا ويح الجسد، فتسرى إلى الحواس و الجوارح كدرة، و هى منحرفة عن الاعتدال، فإذا أخذ كل عضو و حاسّة بقسطه من الفساد، مرضت الجوارح و تعطّلت، فتعطّل نظام الجسد، و جرّ إلى الفساد و الهلاك.
و مثال السلطان أيضا مثال النار، و مثال الخلق مثال الخشب، فما كان منها معتدلا لم يحتج إلى النّار، و ما كان منها متأوّدا[١]، احتاج إلى النار ليقام أوده[٢]، فيعدل عوجه، فإن أفرطت النار احترق الخشب قبل أن يستقيم أوده[٣]، و إن قصّرت النار، لم يلن الخشب لقبول الاعتدال، فيبقى متأوّدا، و إذا كانت النار معتدلة اعتدل الخشب. كذلك السلطان فى أطواره، إن أفرط أهلك الخلق، و إن فرّط لم يستقيموا، و إن اعتدل اعتدلوا.
و مثاله أيضا مثال عين خرّارة فى أرض خوارة[٤]، فإن حلا مشربه، و عذب طعمه، و سلمت من الكدر و الفساد أوصافه، اختلج[٥] فى الأرض، فابتلعته صافيا صرفا، ثم شربته عروق الأشجار، فاغتذت به كذلك، فغلظت سوقها، و فرعت أغصانها، و امتدّت أفنانها، ثم أخرجت أوراقها، و ابرزت أزهارها، ثم قذفت ثمارها، فجاءت على أتم طبيعتها، كبرا و طعما و لونا و رائحة، فتقوّت بها العباد، و أكلت حظوظها البهائم و الحشرات، و سقط عليها الطير، فأحرز كلّ منها قوته، و استقام النظام، و إن كان فى حواشى الأرض ما يدقّ[٦] عن
[١] - متأودا: معوجا( الأود: الاعوجاج).
[٢] - يستقيم أوده: يستقيم اعوجاجه.
[٣] - يستقيم أوده: يستقيم اعوجاجه.
[٤] - العين الخرّارة: التى يتدفق ماؤها فيحدث خريرا أو صوتا قويّا. و الأرض الخوّارة: الضعيفة.
[٥] - اختلج: تحرك.
[٦] - رق أو دق: أصبح رقيقا دقيقا غير غليظ.