سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٥٤ - الباب الثامن فى منافع السلطان و مضاره
و مثاله أيضا، مثال الليل الذى جعله الله تعالى سكنا و لباسا و نوما و راحة و سباتا، و قد يستوحش له أخو الفقر، و يسارع فيه أهل الدعارة و الفساد، و اللصوص، و تعدو فيه السّباع، و تنتشر فيه الهوامّ، و ذوات الحمة[١]، و السّموم القاتلة، ثم لا ينسى العباد نعم الله تعالى عليهم به، و لا يرزأ[٢] صغير ضرره بكبير نفعه.
و مثاله أيضا، مثال النّهار الذى جعله الله تعالى ضياء و نورا، و نشورا و اكتسابا و انتشارا، و قد تكون فيه الحروب و الغارات، و التّعب و النصب، و الشّخوص[٣] و الخصومات، فتستريح الخلق منه إلى الليل، ثم لم ينس العباد نعمة الله تعالى عليهم فيه، و هكذا كلّ جسيم من أمور الدنيا يكون ضرره خاصا، و نفعه عاما، فهو نعمة عامة، و كل شيء يكون نفعه خاصا فهو بلاء عام.
و لو كانت نعم الدنيا صفوا من غير كدر، و ميسورها من غير معسور، لكانت الدنيا هى الجنة، التى لا تعب فيها و لا نصب. و قد قال الشاعر:
|
لا ترج شيئا خالصا نفعه |
فالغيث لا يخلو من العيب |
|
[١] - ذوات الحمة: الحشرات السامة.
[٢] - لا يزرأ: لا يصيب.
[٣] - الشخوص: الاختلاف.