سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٩٧ - الباب الثالث و الثلاثون فى كتمان السر
و فى منثور الحكم: من أفشى سرّه كثر عليه المتآمرون.
و قال الشاعر:
|
و سرّك ما كان عند امرئ |
و سرّ الثلاثة غير الخفىّ |
|
و قال آخر:
|
و لا تنطق بسرّك، كلّ سرّ |
إذا ما جاوز الاثنين فاشى |
|
و قال آخر:
|
تبوح بسرّك ضيقا به |
و تبغى لسرّك من يكتم |
|
|
و كتمانك السرّ فيما تخاف |
و فيما تحاذره أحزم |
|
|
إذا ذاع سرّك من مخبر |
فأنت إذا لمته ألوم |
|
و قال آخر:
|
إذا ما ضاق صدرك من حديث |
و أفشته الرّجال فمن تلوم |
|
|
و إن عاتبت من أفشى حديثى |
و سرّى عنده فأنا الملوم |
|
و قال حكيم: ما كتمته من عدوّك فلا تطلعنّ عليه صديقك، فإن لم يكن لك بد من إذاعته لقرينة تقتضيه من صديق مساهم، أو استشارة ناصح مسالم، فمن صفات أمين الأسرار أن يكون ذا عقل و دين و نصح و مروءة، فإنّ هذه أمور تمنع الإذاعة و توجب حفظ الأمانة، و من كملت فيه فهو عنقاء مغرب[١].
و لا تودع سرّك عند من يستدعيه، فإنّ طالب الوديعة خائن.
قال صالح بن عبد القدوس[٢]: لا تذع سرّا إلى طالبه منك، و الطالب للسرّ مذيع. و فى الجملة: إذا زال سرّك عن عذبة لسانك[٣]، فالإذاعة مستولية عليه، و إن أودعته قلب ناصح محبّ، فاحتمال مرارة الكتمان على قلبك أسهل عليك من التململ بتمليك سرّك غيرك.
و اعلم أن إفشاء سرّ غيرك، أقبح من إظهار سرّ نفسك، لأنه يبوح بإحدى
[١] - عنقاء مغرب: العنقاء المغرب: طائر مجهول الجسم لا وجود له، و يقال فى الأخبار عن هلاك الشىء و بطلانه« حلقت به فى الجو عنقاء مغرب» اى هلك و بطل
[٢] - صالح بن عبد القدوس: أبو الفضل، شاعر حكيم، كان يعظ الناس فى البصرة، شعره كله أمثال و حكم، اتهم بالزندقة فقتله الخليفة المهدى ببغداد نحو سنة ١٦٠ ه
[٣] - عذبة اللسان: طرفه.