سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٨ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
الكلب خير منه، فاقبض الكلب و ادفع إليه هذا الكلب[١]. ثم أنه أمر بعد ذلك بإطلاقه، فذهب إلى قسطنطينية[٢]، فعزلته الروم، و كحلته بالنار.
فانظر: ما ذا يتأتّى على الملوك إذا عرفوا فى الحروب من الحيلة و القصد فى المكيدة.
و اعلم: أن القدماء قالوا: الكثرة للرّعب و القلّة للنصر.
و قد قال الله تعالى: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥] فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب، و مع الإعجاب الهلاك، و خير الأصحاب أربعة، و خير السرايا أربعمائة، و خير الجيوش أربعة آلاف، و لن يغلب جيش يبلغ اثنى عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم.
فأما صفة اللقاء- و هو أحسن ترتيب رأيناه فى بلادنا، و هو أرجى تدبير نفعله فى لقاء عدونا:- أن نقدّم الرّجّالة بالدرق[٣] الكاملة و الرماح الطوال، و المزاريق[٤] المسنونة النافذة، فيصفّوا صفوفهم، و يركّزوا مراكزهم، و رماحهم خلف ظهورهم فى الأرض، و صدورهم شارعة إلى عدوهم، و هم جاثمون فى الأرض، و كل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى، و ترسه قائم بين يديه، و خلفهم الرّماة المختارون، التى تمرق سهامهم من الدروع، و الخيل خلف الرّماة، فإذا حملت الروم على المسلمين، لم تتزحزح الرجّالة عن هيآتها، و لا يقوم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشّاب[٥]، و الرجّالة بالمزاريق، و صدور الرماح تلقاهم، فأخذوا يمنة و يسرة، فتخرج خيل المسلمين بين الرماة و الرجالة، فتنال منهم ما شاء الله.
و لقد حدثنى من حضر مثل هذه الوقعة فى بلدى (طرطوشة)[٦] قال:
[١] - يعني ملك الروم.
[٢] - القسطنطينية هى بيزنطة القديمة، أعاد بناءها قسطنطين و دعاها باسمه فكانت مقر الإمبراطور و عاصمة الإمبراطورية البيزنطية السياسية و الدينية و الثقافية و قد فتحها السلطان العثمانى محمد الفاتح سنة ١٤٥٣ م أو سنة ٨٥٧ ه فأصبحت عاصمة العثمانين و سميت الآستانة أو استانبول.
( معجم البلدان ٤/ ٣٤٧).
[٣] - الرّجّالة: جمع راجل و هو الماشي على رجليه، و يقصد المشاة غير الخيّالة. و الدرق: التروس.
[٤] - المزاريق: الرماح القصيرة.
[٥] - النشاب: السهام.
[٦] - طرطوشة: بلد أبى بكر الطرطوشى المؤلف- سبق التعريف بها.