سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٠ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
لتصبيه[١]، فيزهد فى العجوز، و إذا بات عند العجوز، تلتقط الشعر الأسود من لحيته لتشيخه[٢]، فتزهد الصبيّة فيه، فيوشك إن دام هذا به أن يصبح أطلس[٣]. كذلك حالكم معى و مع العرب، إذا أديتم المال لى و لهم، يوشك أن تنفذ أموالكم، فتبقوا فقراء ضعفاء، فأتسلمكم و أتسلم البلاد.
و يروى أنه لما همّ بحصار صقلية، أمر أن يبسط بساط فى الأرض، ثم جعل فى وسطه دينارا، ثم قال لوجوه رجاله: من أخذ منكم هذا الدينار و لم يطأ البساط، علمنا أنه يصلح للملك، فوقفوا حوله و لم يصل أحد إليه، فلما أعياهم ذلك، طوى ناحية من البساط من عنده، و أمر كل واحد أن يطوي مما يليه، حتى طوى البساط، فمدوا أيديهم فلحقوا الدينار، فحينئذ قال لهم: إذا رأيتم مدينة صقلية خذوا ما حولها من الحصون و المدن الصغار، و الضياع و القرى، حتى إذا ضعفت أخذتموها.
و كان بسرقسطة فارس يقال له [ابن فتحون] و كان يناسبنى[٤]- فيقع خال والدتى- و كان أشجع العرب و العجم، و كان المستعين أبو المقتدر[٥]، يرى له ذلك و يعظّمه، و كان يجرى عليه[٦] فى كل عطية خمسمائة دينار، و كانت النصرانيّة بأسرها قد عرفت مكانه، و هابت لقاءه، فيحكى أن الرومى إذا سقى فرسه فلم يشرب، يقول له اشرب، هل ابن فتحون رأيت فى الماء؟
فحسده نظراؤه على كثرة العطاء، و منزلته من السلطان، فأوغروا به[٧] صدر المستعين، فمنعه أياما. ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم، فتواقفت المسلمون و المشركون صفوفا، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادى: هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من المسلمين، فتجاولا ساعة فقتله الرومى، و صاح الكفار سرورا، و انكسرت نفوس المسلمين، و جعل الرومى يكرّ بين الصفين، و ينادى هل من اثنين لواحد؟ فخرج إليه فارس من المسلمين، فقتله
[١] - تصبيه: عكس تشيخه أى توهمه أنه ما زال صبيا. و تشيخه( تجعله يبدو شيخا هرما).
[٢] - تصبيه: عكس تشيخه أى توهمه أنه ما زال صبيا. و تشيخه( تجعله يبدو شيخا هرما).
[٣] - الأطلس: الذئب الأمعط فى لونه غبرة إلى السواد( الذى تساقط شعره).
[٤] - أى قريب للشيخ الطرطوشى في النّسب.
[٥] - هو المستعين بالله سليمان بن هود أبو المقتدر، سبقت ترجمته.
[٦] - يجري عليه: يعطيه عطاء دائما.
[٧] - أوغروا صدره: ملئوه غيظا.