سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٥ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و في مثل هذا قيل للعتّابي[١]- و كان لا يبالي ما لبس- مالك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنّما يرفع الرجل أدبه و عقله لا حليته و حلّته، لحى الله امرأ[٢] يرضى أن ترفعه هيئته و جماله، لا و اللّه حتى يشرّفه أصغراه: لسانه و قلبه، و يعلو به أكبراه: همّته و لبّه[٣].
و لما دخل ضمرة بن ضمرة[٤] على المنذر بن المنذر[٥] و هو ملك- و كان ضمرة ذا رأي و عقل- احتقرته عيناه لدمامته، فقال: (لأن تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه)[٦] فقال ضمرة: أبيت اللعن[٧] إنّ القوم ليسوا بجزر تجزر، إنّما المرء بأصغريه: قلبه و لسانه، فإذا نطق نطق ببيان[٨]، و إذا قاتل قاتل بجنان[٩]، و الرجال لا تكال بالقفزان[١٠]، و لا توزن بالقبّان[١١]. فأعجب المنذر بكلامه.
و روي أنّ: روح بن زنباع[١٢]، كان في طريق مكة، في يوم شديد الحر مع أصحابه، فنزلوا، فضربت لهم الخيام و الظّلال، و قدّم إليهم الطعام و الشراب المبرد، فبينما هم كذلك، إذا هم براع، فدعاه للطعام فأبى، و قال: إني صائم، قال له روح: في مثل هذا اليوم الحار تصوم؟ قال: أ فأدع أيّامي تذهب باطلا؟ قال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي، إذ جاد بها روح بن زنباع.
[١] - العتابي: كلثوم بن عمرو الثعلبي، شاعر بليغ من أهل الشام، توفي سنة ٢٢٠ ه( الوافي بالوفيات ٢٤/ ٢٦٧).
[٢] - لحى الله امرأ: أي قبّحه و لعنه.
[٣] - اللب: العقل، و جمعه ألباب.
[٤] - ضمرة بن ضمرة بن جابر النهشلي المعيدي: شاعر جاهلي من الشجعان الرؤساء، كان ذا رأي و حكمة، و لكن كريه المنظر، كان اسمه( شقة بن ضمرة) فسماه المنذر بن ماء السماء( ضمرة)( الأعلام ٣/ ٢١٦).
[٥] - المنذر بن المنذر: ثالث ملوك المناذرة، ملوك الحيرة في العراق من قبل الفرس، و هو المنذر ابن ماء السماء، و ماء السماء و هي أمّه، و قد سميت بذلك لجمالها( الأعلام ٧/ ٢٩٢).
[٦] - أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: مثل يضرب لمن كان خبره خير من مرآه، و أول من قال هذا المثل هو المنذر بن ماء السماء، حيث كان يسمع( بشقه بن ضمرة المعيدي) و يعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه و كان كريه المنظر قال:( أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) فأصبح مثلا.
[٧] - أبيت اللعن: هذه تحية الملوك في الجاهلية، و معناها:( لا فعلت أيها الملك ما يستوجب اللعن).
[٨] - البيان: النطق الفصيح المعبر عما في الضمير و منه:( أن من البيان لسحرا).
[٩] - الجنان: القلب.
[١٠] - القفزان: مفردها قفيز و هو المكيال، و القفيز من الأرض قدر مائة و أربع و أربعين ذراعا.
[١١] - القبّان: الميزان ذو الذراع الطويلة.
[١٢] - روح بن زنباع: روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أبو زرعة، أمير فلسطين أيام يزيد ابن معاوية، و كان عبد الملك بن مروان يستشيره سيد اليمانية في الشام و قائدها و خطيبها و شجاعها، توفي سنة ٨٤ ه( الأعلام ٣/ ٣٤).