سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٩٣ - الباب الثالث و الخمسون فى بيان الشروط و العهود التى تؤخذ على العمال
|
و ما سقطت يوما من الدّهر أمّة |
إلى الذلّ إلّا أن يسود ذميمها |
|
|
إذا ساد فينا بعد ذلّ لئيمنا |
تصدّى لنا ذلّ و قد أديمها |
|
|
و ما قادها للخير إلا مجرّب |
عليم بإقبال الأمور كريمها |
|
|
و ما كلّ ذى لبّ يعاش بفضله |
و لكن لتدبير الأمور حكيمها |
|
و اعلموا: أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد، من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها، لأنه لا يخطبها إلا لصّ فى ثوب ناسك، و ذئب فى مسلاخ[١] عابد، حريص على جمع الدنيا، نابذ لدينه و مروءته، (يبتغى عرض الحياة الدنيا، و قد سبق المثل: الحرص على الأمانة دليل على الخيانة)[٢].
يتخذون عباد اللّه خولا[٣]، و أموالهم دولا[٤].
و إذا اهتضمت حقوق المسلمين و أكلت أموالهم، فسدت نيّاتهم، و قلّت طاعاتهم، فانتقضت الأمور، و دبّ الفساد إلى الممالك، و قد ذكرنا فى أول الكتاب الآثار فى كراهية الولايات.
و قال المأمون: ما فتق عليّ قطّ فتق[٥] فى مملكتي، إلا وجدت سببه جور العمّال.
فإن قيل: فما معنى قول يوسف ٧ للملك: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥].
قلنا: يوسف كان نبيا من أنبياء اللّه تعالى، واثقا من نفسه بالكفاية و الأمانة بين يدى من لا يتحقّق بواطن أسراره، و لا يعلم خصائصه و فضائله، و يرى الأمور و الأعمال و الولايات فى أيدى من ليسوا أهلا لها، و يجوز مثل هذا اليوم، لمن حصل بين يدى جبّار و لا يعلم منزلته، و لا ما عنده من الخصال و الفضائل، أن يذكر بعض ما يعلم من نفسه، ليعلم قدره، فيسلم بذلك من شره.
[١] - مسلاخ: ثوب أو إهاب و هو« جلد الحية» بعد أن ينسلخ عنها.
[٢] - سقطت هذه العبارة من( ط) باستثناء:« دليل على الخيانة».
[٣] - الخول: العبيد.
[٤] - دولا: متداولا.
[٥] - الفتق: الخلل فى العيش فى كالخلافات أو الآفات كالجوع و المرض أو الجدب أو الفقر.