سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٩٤ - الباب الثالث و الخمسون فى بيان الشروط و العهود التى تؤخذ على العمال
و عن هذا قال بعض أصحاب الشافعى: إذا كان القضاء فى يد من لا يصلح له، وجب أن يخطبه من يصلح له، و كان ذلك فرضا عليه.
و فقهاء الأمصار على خلاف هذا الراى.
و يحتمل أن يكون يوسف ٧ قد أوحي إليه، بما يصير أمره إليه من الملك و العدل، و نشر كلمة الإسلام، فلهذا نبّه على نفسه.
و من عجيب ما يروى فى هذا الباب: أن لقمان الحكيم[١] كان عبدا أسود حبشيا، غليظ الشفتين، مصفّح القدمين، لامرأة من بنى الحسحاس، و كان جليسا لداود ٧ فأتاه جبريل ٧ بالنبوة من عند الله، الذى يصطفى لنبوته من يشاء، فقال لقمان: يا جبريل: إن أمرنى ربى فسمع و طاعة، و إن خيّرنى اخترت الحكمة، فرضى اللّه تعالى قوله فأعطاه الحكمة، و صرف عنه الرسالة إلى داود ٧، فكان داود يقول: طوبى لك يا لقمان: أوتيت الحكمة و أوتى داود البليّة.
و روى أنه جالس داود ٧، و داود يعمل الدروع، فأقام حولا يبصر صنعة الدرع، و لا يعلم ما يصلح له، و لا يسأل عن ذلك، فلما تم حول، لبس داود الدرع، و قال: درع حصينة ليوم حرب، فقال لقمان: الصّمت حكمة و قليل فاعله.
و كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، إذا بعث عاملا اشترط عليه، أن لا يركب البراذين[٢]، و لا يلبس الرقيق، و لا يأكل النقيّ[٣]، و لا يتخذ حاجبا، و لا يغلق بابا عن حوائج الناس و ما يصلحهم، و يقول له: إني لا أستعملك على أبشارهم[٤]، و لا أعراضهم، و لا أعمالهم، و إنما أستعملك لتصلّي بهم، و تقضى بينهم بالعدل.
[١] - لقمان الحكيم: قال ابن كثير كان لقمان رجلا صالحا ذا عبادة و حكمة عظيمة و أنه كان قاضيا فى زمن داود ٧، أصله من النوبة فى صعيد مصر، و قيل كان عبدا حبشيا نجارا و هناك من يقول أنه عرضت عليه النبوة فاختار الحكمة،( و فى هذا نظر و الله أعلم) فالمشهور أنه كان حكيما و ليس نبيا، ذكره اللّه تعالى فى القرآن الكريم و أثنى عليه.( البداية و النهاية ج ٢/ ص ١٢٢ و ما بعدها).
[٢] - البراذين: الخيول الأصلية مفردها برذون و هو التركى من الخيل و خلافها.
[٣] - النقى من الطعام: خياره و خلاصته.
[٤] - أبشارهم: أجسادهم و ظاهر جلودهم.