سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٢ - الفصل الثامن و الأربعون فى سيرة السلطان فى بيت المال
و من السّير المروية فى هذا الباب: انه لما فتحت العراق، جيء بالمال إلى عمر، فقال صاحب بيت المال: أدخله بيت المال؟ فقال: لا و رب الكعبة، لا يؤوي تحت سقف بيت حتى نقسّمه، فغطّي في المسجد بالأنطاع[١]، و حرسه رجال من المهاجرين و الأنصار، فلما أصبح نظر إلى الذهب و الفضة و الياقوت و الزبرجد و الدرّ[٢] يتلألأ، فبكى، فقال له العباس أو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، و الله ما هذا بيوم بكاء، و لكنه يوم شكر و سرور، فقال: إنى و الله ما ذهبت حيث ذهبت، و لكنه و الله ما كثر هذا فى قوم إلا وقع بأسهم بينهم، ثم أقبل على القبلة و رفع يديه، و قال: اللهم إنى أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإنى أسمعك تقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ[٣] [الأعراف: ١٨٢]، [القلم: ٤٤] ثم قال: أين سراقة بن جعشم[٤]؟ فأتى به أشعر الذراعين دقيقهما، فأعطاه سواري كسرى، و قال: البسهما، ففعل، فقال: قل (الله أكبر) قال: (الله أكبر)، قال: قل (الحمد لله الذى سلبهما كسرى، و ألبسهما سراقة بن جعشم، أعرابيا من بنى مدلج)، ثم قبّلهما و قال: إن الذى أدى هذا لأمين، فقال له رجل: أنا أخبرك، أنت أمين الله تعالى، و هم يؤدون إليك ما أديت لله تعالى، فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت، و إنما ألبسهما سراقة (لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لسراقة- و نظر إلى ذراعيه- كأنى بك قد لبست سواري كسرى)[٥] و لم يجعل له إلا السوارين.
و لما ولى أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- جاءه مال من العمّال، فصبّ فى المسجد، و أمر فنادى من كان له عند رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، دين أو عدة[٦]، فليحضر، قال أبو أيوب الأنصارى: فجئته، فقلت: يا خليفة رسول الله إنّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال لي: لو قد جاءني مال، أعطيتك هكذا و هكذا- و أشار بكفيه-
[١] - الأنطاع: البسط من الجلد.
[٢] - الياقوت- الزبرجد- الدرّ و الذهب و الفضة: كلها أنواع من الجواهر.
[٣] - و معنى سنستدرجهم: أى سنقربهم و ندنيهم من الهلاك و ذلك بالإمهال و الإنعام.
[٤] - سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى: من بنى مدلج، صحابى، كان فى الجاهلية مشهورا بالقيافة أى اقتصاص الأثر، حيث خرج إثر رسول الله صلى اللّه عليه و سلم حين هاجر إلى المدينة و أسلم بعد غزوة الطائف سنة ٨ ه و توفى سنة ٢٤ ه.( الأعلام ٣/ ٨٠).
[٥] - رواه ابن كثير فى البداية و النهاية نقلا عن الإمام الشافعى ج ٦/ ص ١٩٤.
[٦] - روى البخارى و مسلم و الإمام أحمد حديثا صحيحا عن جابر بن عبد الله بهذا المعنى فقال: أن رسول صلى اللّه عليه و سلم قال له:« لو قد جاء مال البحرين أعطيك هكذا و هكذا ..» إلى نهاية الحديث. و معنى: عدة أى وعد.