سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٠ - الفصل الثامن و الأربعون فى سيرة السلطان فى بيت المال
كما روى أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- رضى الله عنه- أشرف على بيت المال و فيه مال، فقال: يا بيضاء و يا حمراء، ابيضّي و احمرّي و غرّي غيرى، ثم أمر فقسّم جميع ما فيه على المسلمين، و أمر قنبرا[١] أن يكنسه و يرشه، ثم دخل فصلى فيه.
ثم كثير من الملوك ساروا فى الأموال على نحو هذه السيرة، من ملوك الإسلام و ملوك الروم، و معظم ما أهلك بلاد الأندلس و سلّط عليها الروم: أن الروم التى كانت تجاوزنا لم تكن لهم بيوت أموال، و كانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس، ثم يدخلون الكنيسة فيقسمها سلطانهم على رجاله بالطاس[٢] و يأخذ مثل ما يأخذون، و قد لا يأخذ شيئا منها، و إنما كانوا يصطنعون بها الرجال، و كانت سلاطيننا تحتجب الأموال و تضيع الرجال، فكان للروم بيوت رجال، و للمسلمين بيوت أموال، فبهذه الخلة قهرونا و ظهروا علينا.
و كان من يذهب هذا المذهب و لا يدخر الأموال تضرب فيه الأمثال، و يقال: عدو الملك بيت المال، و صديقه جنده، فإذا ضعف أحدهما قوي الآخر، و إذا ضعف بيت المال ببذله للحماة، قوى الناصر و اشتد بأس الجند و قوى الملك، و إذا قوى بيت المال و امتلأ بالأموال، قلّ الناصر و ضعفت الحماة، فضعف الملك، فوثبت عليه الأعداء، و قد شاهدنا ذلك فى بلاد الأندلس مشاهدة.
و إذا كان الدفاع فى الرجال لا فى الأموال، و إنما يدفع بالأموال بواسطة الرجال، فلا شك أن بيت رجال، خير من بيت مال.
و قد قال بعض الملوك لابنه، يا بنى: لا تجمع الأموال، لتتقوّى بها على الأعداء، فإن فى جمعها تقوية الأعداء. يعنى: إذا جمعت الأموال أضعفت الرجال، فيطمع فيك الصديق، و يثب عليك العدو.
و إنما مثل الملك فى مملكته، مثل رجل له بستان فيها عين معينة[٣]، فإذا هو قام على البستان، فأحسن تدبيرها فهندس أرضها و غرس أشجارها، و حظر
[١] - قنبر: خادم على بن أبى طالب رضى الله عنه.
[٢] - الطاس: أناء يشرب فيه.
[٣] - عين معينة: عين جارية، جرى ماؤها جريا سهلا.