سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥١ - الفصل الثامن و الأربعون فى سيرة السلطان فى بيت المال
على جوانبها[١]، ثم أرسل عليها الماء، اخضرّ عودها فقويت أشجارها، و أينعت ثمارها، و زكت بركاتها، فكانوا جميعا فى أمان من الضّيعة[٢]، و لا يخافون فقرا و لا شتاتا، و إن هو رغب فى غلّتها و جناها، و لم ينفق فيها ما يكفيها، و لا ساق إليها من الماء ما يرويها، رغبة فى الغلة، و ضنّة بالمال، ضعفت عمارتها، و دقّت[٣] أشجارها، و قلت ثمارها، و ذهبت غلتها، و محق الدهر ما جنى من غلّتها، فافتقر القوم، و هلكوا، و تشتتوا.
و مثال الملك فى جمع المال ليتقوى به على عدوه، مثل طائر ينتف ريشه، و يمصّ أصولها، و يأكل ما نعم منها فلذّ له طيّبها، و أعجبه خصب جسمه على ذلك و قوّته على عدوّه، فلم يزل كذلك حتى خفّ ريشه، فسقط إلى الأرض، فأكلته الهوام و الحشرات.
و رأيت فى أخبار بعض الملوك: أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال و اقتناء الكنوز، و قال: إن الرجال و إن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك، فقال له الملك: هل لهذا من شاهد؟ قال: نعم، هل بحضرتنا الساعة ذباب؟ قال: لا. قال: فأمر بإحضار جفنة[٤] فيها عسل، فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها، فاستشار السلطان بعض أصحابه فى ذلك، فنهاه عن ذلك، و قال: لا تغير قلوب الرجال، فليس فى كل وقت أردتهم حضروا، فسأل: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم، إذا أمسينا سأخبرك، فلما أظلم الليل قال للملك: هات الجفنة، فحضرت، و لم تحضر ذبابة واحدة.
و قد روينا عن سيرة بعض السلاطين فى أرض مصر، و كان قد ملكها، و كان اسمه (يلدقور): إنه كان يجمع الأموال، و لا يحفل بالرجال، فقال له أصحابه:
إنّ أمير الجيوش بالشام و هو يتواعدك، و كأنه قد قدم عليك. فاستعد الرجال، و أنفق فيهم الأموال، فأومأ إلى صناديق موضوعة عنده، و قال: الرجال فى الصناديق. فغزا أمير الجيوش ذلك الملك فى مصر، و قتله، و تسلم الصناديق و الملك، فكان رأيه رأيا فاسدا، لأن رجالا يقيمهم لوقته، و يصطنعهم، لحاجته، إنما يكونون أجنادا مجتمعين، و شرذمة ملفّقين، ليس فيه عناء، و لا عندهم دفاع، و لا ممارسة للحروب.
[١] - حظر على جوانبها: أحاطها بسور أو حائط أو ما أشبه بذلك.
[٢] - الضّيعة: الضّياع و الهلاك و التلف و الإهمال.
[٣] - دقّت: ضعفت و صغرت.
[٤] - الجفنة: القصعة أو الصحن.