سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٣٦ - الباب الرابع و الأربعون فى التحذير من صحبة السلطان
و أخبرنى أبو العباس الحجازى، و كان ممن دوّخ أرض الهند و الصين، و انتهى إلى صين الصين، إلى جبل الياقوت بالهند، و أن فيه ثعابين ليس فى معمور الأرض أعظم منها، فإنّ الواحد منها ليبلغ[١] الثور صحيحا، فلا يصل أحد إلى ذلك الجبل و لا يقربه، فإذا كثرت الأمطار، أحدرت السيول منه الحصى، و سائر ما فيه من المنافع إلى مستقر المياه، على مسير أيام من الجبل، فيبحث الناس ذلك الحصى، فيوجد فيه الواحدة بعد الواحدة، من أحجار الياقوت.
و قال معاوية لرجل من قريش: إياك و السلطان، فإنه يغضب غضب الصبى، و يرضى رضا الصبى، و يبطش بطش الأسد.
و قال المأمون: لو كنت رجلا من العامة، ما صحبت السلطان.
و قال الأحنف بن قيس: ثلاثة لا أقولهن إلا ليعتبر بهن: لا أخلف جليسى إلا بما أحضره به، و لا أدخل فى أمر لا أدخل فيه، و لا آتي السلطان إلا أن يرسل إلى.
و قال ابن المقفع لابنه: إن وجدت من السلطان و صحبته غنى، فاغن عنه نفسك، و اعتزله جهدك، فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه و بين لذة الدنيا، و من لا يأخذه بحقه يكسبه الفضيحة فى الدنيا، و الوزر فى الآخرة.
و قال ميمون بن مهران[٢]: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون: أحفظ عنى أربعا: لا تصحب سلطانا و إن أمرته بالمعروف و نهيته عن المنكر، و لا تخلونّ بامرأة و إن قرّأتها القرآن، و لا تصل من قطع رحمه فإنه لك أقطع، و لا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا.
و فى منثور الحكم: كثرة الأشغال مذهلة عن وجود اللّذات بكنهها.
و كم قد رأينا و بلغنا، ممن صحب السلطان من أهل الفضل و العقل و العلم و الدين ليصلحه، ففسد هو به، فكان كما قال الأول:
|
عدوى البليد إلى الجليد سريعة |
و الجمر يوضع فى الرّماد فيخمد[٣] |
|
[١] - فى( خ) ليبتلع الثور صحيحا.
[٢] - ميمون بن مهران الرقى: فقيه و قاضى استعمله عمر بن عبد العزيز على خراج الرقة و قضائها و كان فى مقدمة المجاهدين توفى سنة ١٠٨ ه.
[٣] - الجليد: ضد البليد و هو ذو القوة و الصبر.