سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧٢ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و لأم حاتم طيئ قالت[١]:
|
لعمري لقدما عضّني الجوع عضّة |
فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا |
|
|
فقولا لهذا اللائم الآن أعفني |
فإن أنت لم تسطع فعضّ الأصابعا |
|
|
فهل ما ترون الآن إلّا طبيعة |
فكيف بتركي يا ابن أمّ الطّبائعا |
|
و قال آخر:
|
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه |
لا بارك اللّه بعد العرض في المال |
|
|
أحتال للمال إن أودى فأجمعه |
و لست للعرض إن أودى بمحتال |
|
و يروى أن رجلا سأل الحسن بن علي- رضي الله عنه- شيئا، فأعطاه خمسين ألف درهم و خمسمائة دينار، و قال ائت بحمال يحمله لك، فأتاه بحمال، فأعطاه طيلسانة[٢] و قال: يكون كراء الحمال من قبلي.
و يروى أن الليث بن سعد[٣] سألته امرأة سكرجة[٤] عسل، فأمر لها بزق[٥] عسل، فقيل له فى ذلك، فقال: إنها سألت على قدر حاجتها، و نحن نعطيها على قدر نعمتنا.
و روي أن رجلا استضاف لعبد الله بن عامر بن كريز[٦]، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم يعنه غلمانه، فسئل عن ذلك؟ فقال عبد الله: إنهم لا يعينون من ارتحل عنا.
و في معناه قول المتنبي[٧]:
|
إذا ترحّلت عن قوم و قد قدروا |
أن لا تفارقهم فالرّاحلون هم |
|
[١] - في( ط):[ و ليم حاتم فقال]: أي لامه الناس على كرمه، و لكن هذه الأبيات كما في( خ) لأمه، و السياق يدل على ذلك، و كانت امرأة كريمة شاعرة، لامها قومها على الإنفاق، فقالت هذه الأبيات.
و حاتم طيء هو حاتم الطائي نسبة إلى قبيلته طي، الشاعر الجاهلي المشهور بكرمه و جوده و شجاعته و الذي أصبح يضرب مثر في الجود و الكرم، مات أواخر القرن السادس الميلادي و قد سبق التعريف بابنه عدي الذي أسلم و حسن إسلامه.
[٢] - الطيلسان: كساء أخضر يلبسه الخواص من المشايخ و العلماء و هو من لباس العجم.
[٣] - الليث بن سعد: أبو الحارث. إمام أهل مصر في عصره حديثا و فقها، أصله من خراسان و كان من الكرماء الأجواد، أخباره كثيرة و له تصانيف، توفي سنة ١٧٥ ه.
[٤] - السكرجة: إناء صغير.
[٥] - الزقّ: إناء كبير.
[٦] - عبد الله بن عامر بن كريز: أمير فاتح ولي البصرة أيام عثمان بن عفان و فتح عدة بلدان ثم ولاه معاوية كذلك على البصرة و عزله منها فرجع مكة، و مات فيها سنة ٥٩ ه.
[٧] - أبو الطيب المتنبي: الشاعر الحكيم و أحد مفاخر الأدب العربي ولد بالكوفة و نشأ بالشام مدح الخلفاء و الولاة و نال حظوة عند بعضهم و هذا البيت من قصيدة طويلة يعاتب فيها سيف الدولة الحمداني.