سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧٤ - الباب الحادي و الثلاثون في بيان الشح و البخل و ما يتعلق بهما
و قال رجل لابن مسعود[١]: إني أخاف أن أكون قد هلكت، سمعت الله تعالى يقول: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] و أنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء، فقال له ابن مسعود: هذا ليس بالشّحّ الذي ذكره الله تعالى، فإنّه: أن تأكل مال أخيك ظلما، و لكن ذلك البخل، و بئس الشيء البخل. ففرّق بينهما كما ترى.
و قال ابن العباس[٢]: الشحيح يتبع هواه، فلم يقبل الإيمان.
و قال طاوس[٣]: الشح، أن يبخل المرء بما في أيدي الناس، و البخل: أن يبخل بما في يديه.
و روي أنس[٤]: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «بريء من الشح من أدّى الزكاة، و قرى الضيف، و أعطى فى النائبة»[٥].
و قال ابن زيد[٦]: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، و لم يدعه الشّحّ إلى أن يمنع شيئا أمر الله به، فقد وقاه شحّ نفسه.
و قال أبو الهياج الأسدي[٧]: رأيت رجلا في الطواف يقول: (اللهم قني شحّ نفسي). لا يزيد على ذلك شيئا، فسألته عن ذلك، فقال: إذا وقيت شح نفسي، لم أسرق، و لم أزن، و لم أفعل شيئا يكرهه الله تعالى. و إذا الرجل عبد الرحمن بن عوف[٨].
[١] - هو عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و خادمه و قد سبقت ترجمته.
[٢] - هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى اللّه عليه و سلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بمكة و هو حبر الأمة و فقيهها مات بالطائف ٦٨ ه.( الأعلام ٤/ ٩٥).
[٣] - هو طاوس بن كيسان الخولاني- سبقت ترجمته.
[٤] - هو أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه خادم رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و أخواله بنو النجار أخوال الرسول صلى اللّه عليه و سلم، يكنى بأبي حمزة و من فقهاء الصحابة توفي سنة ٩٣ ه.
[٥] - رواه أبو يعلي في مسنده و الطبراني في الكبير و سعيد بن زيد الأنصاري( كنز العمال ١٥٧٨) كما أورده القرطبي في الجامع عن أنس( م ١٨/ ٢١).( الأعلام ٢/ ٢٤).
[٦] - هو عبد الواحد بن زيد الزاهد القدوة و شيخ الزهاد- سبقت ترجمت.
[٧] - أبو الهياج الأسدي هو عمر بن مالك بن جنادة من أبناء بن الحارث، جعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على خطط أهل الكوفة( انظر: البلاذري في فتوح البلدان ص ٣٨٨ و الكلبي في جمهرة النسب ص ١٧٧).
[٨] - عبد الرحمن بن عوف: من أكابر الصحابة و من العشرة المبشرين بالجنة و أحد الستة أصحاب الشورى، و كان من الأجواد الشجعان العقلاء أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، و كان يحترف في التجارة، فأجمعت له ثروة كبيرة و تصدق يوما بقافلة فيها ٧٠٠ راحلة، توفى بالمدينة ٣٢ ه.
( الأعلام ٣/ ٣٢٠).