سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٧٥ - الباب الحادي و الثلاثون في بيان الشح و البخل و ما يتعلق بهما
و اعلم: أن البخل يكون من سوء الظنّ بالله، أن لا يخلف و لا يثيب، و هذا يوهن التصديق بما تكفل الله به، و يطرق الخلل و الامتناع إلى جميع الأوامر بين العبد و بين الخالق، و بين العبد و بين الخلق، في ترك معاونتهم و النصح لهم.
و قال كسرى لأصحابه: أيّ شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر، لأن الفقير إذا وجد اتّسع، و الشحيح لا يتسع أبدا.
و لما قدم الشّافعي[١] من صنعاء إلى مكة، كان معه عشرة آلاف دينار، فقالوا له: تشتري بها ضيعة؟ فضرب خيمة خارج مكة، و صب الدنانير.
فكلّ من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة، فلما جاء وقت الظهر، قام و نفض الثوب و لم يبق شيء.
و لما قربت وفاته قال: مروا فلانا يغسلني- و كان الرجل غائبا- فلما قدم أخبر بذلك، فدعا بتذكرته، فوجد عليه سبعين ألف درهم دينا، فقضاها و قال: هذا غسلي إياه.
و روي أن رجلا أراد أن يؤذي عبد الله بن عباس، فأتى وجوه البلد و قال:
يقول لكم ابن عباس: تغدوا اليوم عندي، فأتوه فملئوا الدار، فقال: ما هذا؟
فأخبر الخبر، فأمر أن تشترى الفواكه في الوقت، و أمر بالخبز و الطبيخ، فأصلح القرى[٢]، فلما فرغ قال لوكلائه: أ موجود لنا هذا كل يوم؟ قالوا:
نعم، قال: فليتغد هؤلاء كلهم كل يوم عندنا.
و من الخصال الجارية مجرى الكمال و الجمال و لعلها من الأصول، الصبر.
[١] - محمد بن إدريس الشافعي الفقيه المعروف سبقت ترجمته.
[٢] - القرى: طعام الضيف.