سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٨٩ - الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
الحرب[١] على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق[٢] لنا و إن كنا لنخدعه، و ما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى[٣] منه، و الله لوددت أنا متّعنا به ما دام فى هذا حجر- و أشار إلى أبى قبيس[٤]- لا يتخوّن له عقل و لا ينتقص له قوة.
و قال الصّنابحى[٥]: كتب عمر بن الخطاب، إلى أبى عبيدة[٦] كتابا فى مثل أذن الفارة: أما بعد؛ فإنه لا يقيم أمر اللّه فى النّاس إلا: حصيف العقدة[٧]، بعيد الغرّة[٨]، لا يطلع الناس منه على عورة، و لا يحنق[٩] فى الحق على الجرأة، و لا يخاف فى اللّه لومة لائم.
و قال مالك: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، و سأله أن يكتب له كتابا فى أمر، فقال: اذهب إلى منزلنا فأتنى بدواة و قرطاس، فذهب فلم يجد، فقال: اطلب عندهم شيئا، فذهب فلم يجد عندهم إلا أذن مزود، فكتب له فى تلك الأذن.
و لما ولّى المأمون يحيى بن أكثم[١٠] قضاء البصرة، بعد ان استمحن عقله و علمه، و امتحنه بمسائل، فوجده فوق ما يريد، فتلقاه وجوه البصرة، فرأوا شابا صبيا ما بقلت[١١] لحيته، فتعجّبوا و نظر بعضهم إلى بعض، يقلّبون الأكفّ، و يغمزون الحواجب، فقال له بعضهم: كم سنّ القاضى- أصلحه
[١] - الحرب: شديد الغيظ و الغضب.
[٢] - أى إن أردنا إخافته فإنه يظهر الفرق و الخوف و الفزع و لكنه ليس به.
[٣] - الدهاء: المكر و الخداع.
[٤] - أبو قبيس: جبل شرقى مكة و هو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام.
[٥] - عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى: نزيل دمشق، قدم المدينة بعد وفاة النبى صلى اللّه عليه و سلم بليال خمس، و صلى خلف الصّدّيق، و بقى إلى زمان عبد الملك بن مروان و كان يجلس معه.( الإصابة ٥/ ١٠٥).
[٦] - أبو عبيدة عامر بن الجراج ولاه عمر على جيوش المسلمين فى الشام بعد أن عزل خالد بن الوليد، و قد سبقت ترجمته.
[٧] - الحصيف: جيد الراى محكم العقل، و يقال أحصف الحبل: إذا شدّ فتلته.
[٨] - الغرة: تطلق على أول كل شيء و أكرمه، يقال: فلان غرة قومه: أى أكرمهم و أفهمهم، و تطلق على الخبرة و العلم.
[٩] - الحنق: شدة الاغتياظ.
[١٠] - يحيى بن أكثم: من كبار الفقهاء ولاه المأمون على قضاء بغداد و البصرة مات سنة ٢٤٢ ه.
[١١] - ما بقلت لحيته: أى لم يظهر فيها شعر.