سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٩٠ - الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
الله-؟ قال: مثل سنّ عتّاب بن أسيد[١]، لما ولّاه النبى صلى اللّه عليه و سلم مكة، فهابوه لحدّة جوابه، و عرفوا فضله، و كان لعتاب بن أسيد إحدى و عشرون سنة لما ولى مكة.
و كان عمر يقول: لا يصلح أن يلى أمور الناس، إلا حصيف العقل، وافر العلم، قليل الغرّة[٢]، بعيد الهمة، شديد فى غير عنف، ليّن فى غير ضعف، جواد فى غير سرف، لا يخاف فى اللّه لومة لائم.
و قال أيضا: ينبغى أن يكون فى الوالى من الشدة، ما يكون ضرب الرقاب عنده فى الحق كقتل عصفور، و يكون فيه من الرقة و الحنوّ و الرأفة و الرحمة، ما يجزع من قتل عصفور بغير حق.
و يروى أنّ الرشيد أحضر رجلا ليوليه القضاء، فقال له: إنى لا أحسن القضاء و لا أنا فقيه، فقال له الرشيد فيك ثلاث خلال: لك شرف؛ و الشّرف يمنع صاحبه من الدناءة، و لك حلم يمنعك من العجلة، و من لم يعجل قلّ خطؤه، و أنت رجل تشاور فى أمرك، و من شاور كثر صوابه، و أما الفقه فنضمّ إليك من تتفقه به، فولى، فما وجدوا فيه مطعنا.
و قال إياس بن معاوية[٣]: استحضرنى عمر بن هبيرة[٤] فحضرت فساكتنى فسكت، فلما أطلت، قال: إيه؟ قلت: سل عما بدا لك. قال:
أ تقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل تفرّض الفرائض؟ قلت: نعم، قال: فهل تعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم، قال: فهل تعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم، قال: إنى أريد أن استعين بك، قلت: إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل، قال: ما هن؟ قلت: أنا دميم[٥] كما ترى، و أنا
[١] - عتّاب بن أسيد بن ابى العيص القرشى الأموى، من الولاة الأشراف، أسلم يوم فتح مكة و كان شجاعا عاقلا، استعمله النبى صلى اللّه عليه و سلم على مكة حين مخرجه إلى حنين و كان عمره ٢١ سنة، و أقرّه أبو بكر و استمر إلى أن مات فى السنة التى مات فيها أبو بكر الصديق رضى اللّه عنهم سنة ١٣ ه و قيل مات سنة ٢٣ ه و الله أعلم( الأعلام ٤/ ١٩٩).
[٢] - الغرة: الغفلة.
[٣] - إياس بن معاوية: قاضى البصرة المشهور بذكائه و عدله.
[٤] - عمر بن هبيرة: امير من الدهاة الشجعان، ولى العراق و خراسان و قد سبقت ترجمته.
[٥] - الدميم: القيح المنظر.