سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٨٨ - الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
و إعطاء المال فى غير حقه تبذير و سرف، و هو يرفع ذكر صاحبه فى الدنيا، و يضعه عند اللّه فى الآخرة، و لن يضع امرؤ ماله فى غير حقه و عند غير أهله، إلا حرمه اللّه تعالى شكرهم، و يصير لغيره ودّهم، فإن بقى معه منهم من يظهر له الود و الشكر، فذلك ملق و خديعة لينال منه، فإن زلّت به النّعل يوما ما، فاحتاج إلى معونته و مكافأته على ما سلف من مبرّته فشرّ خليل، و ألأم خدين[١].
و إياك أيها الوالى و حب المدح، فإنّ من أحب المدح عدّ كمن مدح نفسه، و إذا علم ذلك منك، جعله الناس سلّما لقضاء حوائجهم منك، فحينئذ يكون قضاء الحوائج لنفسك لا لهم، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «احثوا فى وجوه المدّاحين التراب»[٢].
و سمع النبى صلى اللّه عليه و سلم رجلا يمدح رجلا فقال: «قطعت ظهر أخيك، لو سمعها ما أفلح بعدها»[٣].
و وصف أعرابى أميرا، فقال: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه، و أرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن راج و المسيء خائف.
و قال عبد اللّه بن الزبير[٤] يوما: لا يبعدنّ ابن هند[٥]، أن كانت فيه لمخارج[٦] ما نجدها فى أحد بعده أبدا، و الله أن كنا لنعرفه و ما الليث
[١] - الخدين: الصديق أو الصاحب.
[٢] - الحديث: رواه ابن ماجة عن المقداد بن عمرو، و الهيثمى فى موارد الظمآن عن ابن عمر و الحديث فى صحيح( الجامع الصغير ١/ ١٠، رقم ٢٣٤).
[٣] - الحديث: رواه الطبرانى عن أبى بكرة( كنز العمال ٣/ ٨٢٣٦).
[٤] - عبد اللّه بن الزبير بن العوام و امه اسماء بنت أبى بكر، هاجرت و هى حامل به، صحابى جليل شهد معركة الجمل مع أبيه، و لما مات معاوية، بويع بالخلافة فكان على الحجاز و اليمن و العراق و مصر و سائر بلاد الشام إلا دمشق و ذلك سنة ٦٤ ه و لما مات يزيد و ابنه معاوية و استلم الأمر مروان بن الحكم فى دمشق أخذت الحروب تشتعل بينهم و لما تولى الأمر عبد الملك بن مروان بعث إليه الحجاج الذى حاصر مكة المكرمة و هدم الكعبة و قتل ابن الزبير سنة ٧٣ ه.( البداية و النهاية ٨/ ٣٣٢).
[٥] - ذكر هذا القول ابن كثير فى البداية و النهاية بلفظ( لله در ابن هند) و المقصود معاوية بن أبى سفيان و أمه هند بنت عتبة بن ربيعة( ص ١٣٦).
[٦] - أى أشياء يخرج بها أو يمتاز بها.