سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٢ - فصل في بعض الأخبار و المواعظ
و قال مالك بن أنس[١]: بلغني أن عيسى ٧، انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، و جفّت أنهارها، و تشعّث شجرها[٢]، فنادى: يا خراب! أين أهلك؟ فلم يجبه أحد، ثم نادى: يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد، فنودي عيسى بن مريم ٧: بادوا و تضمّنتهم[٣] الأرض، و عادت أعمالهم قلائد في أعناقهم إلى يوم القيامة، فبكى عيسى ٧.
قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد. يقال لها «هرثمة»[٤]، أي عذاب الله رأيت أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، و سلام الله و رحمته على ليلة لا ريح فيها، و لقد رأيت العير تحملها الريح بين السماء و الأرض.
و قال مجاهد[٥]: كان طعام يحيى بن زكريا[٦] العشب، و إن كان ليبكي من خشية الله تعالى، ما لو كان القار[٧] على عينيه لأحرقه، و لقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه.
مرّ بعض الملوك بسقراط الحكيم[٨] و هو نائم، فركضه برجله، و قال:
قم، فقام غير مرتاع منه و لا ملتفت إليه، فقال له الملك: أ ما تعرفني؟ قال:
لا، و لكني أرى فيك طبع الدواب، فهي تركض بأرجلها. فغضب، و قال:
أ تقول لي هذا و أنت عبدي؟ فقال له سقراط: بل أنت عبد عبدي، قال: و كيف
[١] - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، سبقت ترجمته.
[٢] - تشعث: تفرّق.
[٣] - تضمّنتهم الأرض: حوتهم و ضمّتهم.
[٤] - هكذا ورد اسمها في( ط، خ) و وردت القصة و اسم تلك المرأة في كتاب:[ غوامض الأسماء المبهمة، لابن بشكوال ٢/ ٥٤٢][ هزيمة]، و قوم عاد نسبة إلى عاد بن إرم، كانت مساكنهم بالأحقاف في اليمن، و كانت لهم حضارة و أرسل الله لهم النبي« هود» ٧، فكذّبوه، فأرسل الله عليهم الريح العقيم فأهلكهم عن آخرهم، و نجّى هودا و المؤمنين به كما ورد في القرآن الكريم( انظر:
سورة الأعراف، هود، الأحقاف، الذاريات).
[٥] - مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، تابعي مفسر من أهل مكة، بل هو شيخ القرّاء و المفسرين، و كان فقيها كثير الحديث، تنقل في الأسفار و استقر في الكوفة و مات و هو ساجد سنة ١٠٤ ه.( الأعلام: ٥/ ٢٧٨).
[٦] - يحيى بن زكريا ٧: نبي من أنبياء بني إسرائيل، ورد ذكره في سورة مريم.
[٧] - القار: مادة سواء تطلى بها السفن و الإبل، و قيل: هو الزفت.
[٨] - سقراط الحكيم: فيلسوف يوناني، ولد في أثينا و علّم بها فأحدث ثورة في الفلسفة بأسلوبه و فكره، و ساعد تلاميذه على اكتشاف المعرفة، حارب السفسطة و انتقد الحكم فحكم عليه خصومه بالاعدام ففضّل الموت على الهرب، و شرب السمّ و مات في سجنه حوالي ٣٩٩ ق. م، و قد وصلت إلينا تعاليمه خاصة من خلال كتب تلميذه أفلاطون.( الموسوعة الفلسفية).