سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٨ - من أقوال بعض من شارفوا على الموت
بتقوى الله، و الرغبة في الآخرة، و الزهد في الدنيا، و لا تأسفا على شيء فاتكما منها، اعملا الخير، و كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا، ثم دعا محمدا[١] و قال له: أ ما سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، و عليك ببر أخويك، و توقيرهما، و معرفة فضلهما، و لا تقطع أمرا دونهما. ثم أقبل عليهما فقال: أوصيكما به خيرا، فإنّه أخوكما و سيفكما و ابن أبيكما، و أنتما تعلمان أنّ أباكما كان يحبه فأحبّاه.
ثم قال: يا بنيّ، أوصيكم بتقوى الله، في الغيب و الشهادة، و كلمة الحق في الرضا و الغضب، و القصد في الغنى و الفقر، و العدل في الصديق و العدو، و العمل في النشاط و الكسل، و الرضا عن الله في الشّدة و الرّخاء.
يا بنيّ، ما شرّ بعده الجنّة بشرّ، و لا خير بعده النار بخير، و كلّ نعيم دون الجنّة حقير، و كلّ بلاء دون النار عافية.
يا بنيّ، من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، و من رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، و من سلّ سيف البغي قتل به، و من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب أخيه انكشفت عورات بنيه، و من نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، و من أعجب برأيه ضلّ، و من استغنى بعقله زلّ، و من تكبّر على الناس ذلّ، و من خالط الأنذال حقّر، و من جالس العلماء وقّر، و من يصحب صاحب السوء لا يسلم، و من يصحب صاحبا صالحا يغنم، و من دخل مداخل السوء اتّهم، و من لا يملك نفسه ندم، و من مزح استخفّ به، و من أكثر من شيء عرف به، و من كثر كلامه كثر خطؤه، و من كثر خطؤه قلّ حياؤه، و من قلّ حياؤه قلّ ورعه، و من قلّ ورعه مات قلبه، و من مات قلبه دخل النار.
يا بنيّ: الأدب خير ميراث، و حسن الخلق خير قرين.
يا بنيّ: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، و واحد[٢] في ترك مجالسة السفهاء.
يا بنيّ: زينة الفقر الصبر، و زينة الغنى الشكر.
[١] - هو محمد بن علي بن أبي طالب، أخو الحسن و الحسين، و المعروف بابن الحنفية، حيث أن أمه ليست فاطمة الزهراء، بل هي خولة بنت جعفر الحنفية، كان فارسا بطلا، توفي سنة ٨١ ه.
( الأعلام: ٦/ ٢٧٠).
[٢] - و واحد أى جزء واحد، هكذا ورد الأثر في تفسير الثعالبي( ١/ ٤٢١) و في( خ) و واحدة.
و في( ط) و الواحدة و لعل الأصوب ما أثبتناه و الله أعلم. هذا و قد عدّ الديلمي في مسند الفردوس بعض هذا الأثر حديثا فقال الحافظ العراقي هذا حديث منكر.