سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٩ - من أقوال بعض من شارفوا على الموت
يا بني: لا شرف أعلى من الإسلام، و لا كرم أعزّ من التّقوى، و لا معقل أحرز من الورع، و لا شفيع أنجح من التّوبة، و لا لباس أجمل من العافية، الحرص مفتاح التعب، و مطيّة النّصب، التدبير قبل العمل يؤمّنك من الندم، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد، فطوبى لمن أخلص لله علمه و عمله، و حبّه و بغضه، و أخذه و تركه، و كلامه و صمته، و قوله و فعله.
و روي عن عمر بن الخطاب[١] رضي الله عنه: أنه لما طعن، دعا بلبن فشربه فخرج من طعنته، فقال: الله أكبر، فجعل جلساؤه يثنون عليه، فقال:
وددت أن أخرج منها كفافا[٢] كما دخلت فيها، لو أنّ لي اليوم ما طلعت عليه الشمس و غربت لافتديت به هول المطلع.
و قال ابن عمر[٣]: و لما حضرت الوفاة عمر، غشي عليه فاخذت رأسه، فوضعته في حجري، فقال: ضع رأسي بالأرض لعلّ الله يرحمني، فمسح خديه بالتراب و قال: ويل لعمر، ويل لأمّه إن لم يغفر له، فقلت: و هل فخذي و الأرض إلا سواء يا أبتاه؟ فقال: ضع رأسي بالأرض لا أمّ لك كما آمرك، فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى حفرتي، فإنما هو خير تقدموني إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم، ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: خبر السماء، لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار.
و لما حضرت عمر بن عبد العزيز[٤] الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فقصّرت، و نهيتني فعصيت، و أنعمت عليّ فأفضلت، فإن عفوت فقد مننت، و إن عاقبت فما ظلمت، ألا إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله، ثم قضى نحبه رحمه الله.
[١] - عمر بن الخطاب: عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي- أبو حفص- ثاني الخلفاء الراشدين، و أول من لقّب بأمير المؤمنين، و من العشرة المبشرين بالجنة، توفي سنة ٢٣ ه بعد أن اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي في المسجد.( الأعلام: ٥/ ٤٥).
[٢] - الكفاف من الرزق: ما كان مقدار الحاجة و كفى عن الناس.
[٣] - هو عبد الله بن عمر بن الخطاب: كان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و روى عنه الكثير من الأحاديث، توفي سنة ٧٣ ه.( الأعلام: ٤/ ١٠٨). في( ط): فأخذت رأسه فوضعتها في حجري.
[٤] - عمر بن عبد العزيز: الخليفة الأموي العادل، سبقت ترجمته.