سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٧ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و قال بزرجمهر: لا عزّ أثبت أركانا و لا أبذخ بنيانا، من بث الكرم و اكتساب الشكر، و ذلك أن عز التعظيم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال، و من تحصن بالجود و تحرّز بالمعروف، فقد ظفر بمن ناوأه[١] و ربح الشّكر و الثواب.
و يروى أن عبد الله بن أبي بكر،- و كان أحد الأجواد- عطش يوما في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت كوزا و قامت خلف الباب، و قالت: تنحوا عن الباب و ليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب مات زوجي منذ أيام. فشرب عبد الله و قال: يا غلام، احمل إليها عشرة آلاف.
فقالت: سبحان الله: تسخر بي؟ فقال: يا غلام، احمل إليها عشرين ألفا.
فقالت: أسأل الله العافية! فقال يا غلام، احمل إليها الثلاثين ألفا، فقالت، أف لك. فحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فما أمست حتى كثر خطّابها.
و قال بعض الرواة: قصد رجل إلى صديق له، فدق عليه الباب، فلما خرج، قال: ما حاجتك؟ قال: أربعمائة درهم عليّ دين، فدخل الدار و أخرجها إليه، ثم دخل الدار باكيا، فقالت له امرأته: هلا تعلّلت حين شقت عليك الإجابة، قال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مكاشفتي.
و قال أكثم بن صيفي: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأ.
و قال الفضيل: ما كانوا يعدون القروض معروفا.
و يروى عن امرأة من المتعبدات أنها قالت: لحبان بن هلال- و هو في جماعة من أصحابه-: ما السخاء عندكم؟ قال: البذل و الإيثار، قالت: فما السخاء في الدين؟ قال: أن تعبدي الله تعالى سخية بنفسك غير مكرهة، قالت: أ فتريدون على ذلك جزاء؟ قالوا: نعم، لأن الله تعالى وعد على الحسنة بعشر أمثالها، قالت: فإذا أعطيتم واحدة و أخذتم عشرا، فأي شيء سخيتم به؟ و إنما السخاء: أن تعبدوا الله تعالى متنعمين متلذذين بطاعته، غير كارهين، لا تريدون بذلك أجرا، أ لا تستحبون أن يطّلع على قلوبكم، فيعلم أنّها تريد شيئا بشيء؟
و قالت بعض المتعبدات لبعض المتعبدين: أ تظن السخاء في الدينار و الدرهم فقط؟ إنما السخاء في بذل مهج النفوس لله تعالى.
[١] - ناوأه: عاداه.