سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٨ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و قال أبو بكر الدقاق[١]: ليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم، إنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد.
و قال الشيخ أبو عبد الرحمن[٢]: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي[٣] من الأجواد، لم يكن يناول أحدا شيئا بيده، و إنما كان يطرحه على الأرض، فيتناوله الآخذ من الأرض، و كان يقول: الدنيا أقل خطرا من أن يرى من أجلها يدي فوق يد أخرى، و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى»[٤] و كان يتوضأ يوما في صحن داره، فدخل عليه إنسان و سأله شيئا، فلم يحضره شيء، فقال: اصبر حتى أفرغ، فلما فرغ قال: خذ القمقمة[٥] و أخرج، فلما خرج و علم أنه بعد، صاح و قال: دخل إنسان و أخذ القمقمة، فمشوا خلفه فلم يدركوه، و إنما فعل ذلك لأنهم كانوا يلومونه على البذل، و في معناه قال الشاعر:
|
ملأت يدي من الدّنيا مرارا |
فما طمع العواذل في اقتصادي |
|
|
و لا وجبت عليّ زكاة مال |
و هل تجب الزّكاة على جواد |
|
و كان أبو مرثد أحد الكرام فمدحه بعض الشعراء، فقال: ما عندي ما أعطيك. و لكن قدّمني إلى القاضي، و ادّع علي فيّ عشرة آلاف درهم، حتى أقرّ لك بها، ثم احبسني، فإن أهلي لا يتركونني مسجونا، ففعل ذلك، فلم يمسوا حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم.
و قال زيد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد اللّه، فرّق مائة ألف في مجلس، و أنه ليخيط إزاره بيده.
و لما دخل المنكدر[٦] على عائشة- رضي اللّه عنها- قال لها: يا أم المؤمنين: أصابتني فاقة، فقالت: ما عندي شيء، فلو كانت عندي عشرة
[١] - أبو بكر الدقاق: الإمام المحدث الحافظ و مقرئ المحدثين ببغداد، كان محبوبا إلى الناس فاضلا، حسن الذكر، مات سنة ٤٨٩ ه.
[٢] - أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الأزدى، سبق ذكره.
[٣] - أبو سهل محمد بن سليمان العجلى المعروف بالصعلوكى، كان متصوفا و إماما فى الفقه و الحديث و علوم اللغة.
[٤] - الحديث: رواه الإمام أحمد فى مسنده، و الطبرانى فى الكبير عن ابن عمر، و الحديث صحيح( الجامع الصغير رقم ١٠٠٢٧).
[٥] - قمقمه: إناء.
[٦] - المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي. ولد على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و من رواة الحديث( انظر: الإصابة ٦/ ٢٢٦).