سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦١ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
الله تعالى أنّي كنت فى القافلة الفلانية، فضاع لى هميان[١] فيه أربعمائة دينار أو أربعة آلاف دينار- الشكّ من أبى ذر- و معها فصوص[٢] قيمتها مثل ذلك، فما جزعت لضياعها، و لكن ولد لى فى هذه الليلة مولود، فاحتجت فى البيت إلى ما تحتاج إليه النّفساء[٣]، و لم يكن عندى غير هذه العشرة دراهم، فأشفقت أن أشترى بها حوائج النفساء، فأبقى بغير رأس مال، و لا أقدر على التكسّب، فقلت: أشترى بها شيئا، و أطوف صدر نهارى، فعسى أستفضل منه شيئا أسد به رمقى و يبقى رأس المال أتصرّف فيه، فلما قدّر الله تعالى بضياعه جزعت، فقلت: لا عندى مال أرجع به إليهم، و لا ما أكتسب به، و علمت أنه لم يبق لى إلا الفرار منهم، و تركهم على هذه الحال يهلكون بعدى، فهذا الذى أوجب جزعى.
قال الشيخ أبو ذر: و كان رجل من الجند جالسا على باب داره يستوعب الحديث، فقال للشيخ أبى حفص: أنا أرغب إذا تمّمتم أمره أن تدخل معه عندى و قام، فظننّا أنه يريد أن يعطيه شيئا. قال: فدخلنا عليه، فأذن لنا، فقال الجندى للطوّاف: عجبت من جزعك، فأعاد عليه القصة، فقال الجندى:
و كنت فى تلك القافلة؟ قال: نعم، و كان بها من عظام الناس فلان و فلان، فعلم الجنديّ صحّة قوله، فقال له: و ما علامة الهميان؟ و فى أى موضع سقط منك؟ فوصف المكان و العلامة، فقال له الجندى: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال:
نعم، فأخرج الجندى هميانا و وضعه بين يديه، فقال: هذا هميانى، و علامة صحة قولة: أنّ فيه من الأحجار ما صفته كذا، و كذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما ذكر، فقال الجندى: خذ مالك، بارك الله لك فيه، فقال الطوّاف: هذه الأحجار قيمتها مثل الدنانير أو أكثر، فخذ أنت الدنانير فنفسى طيّبة بذلك، فقال الجندى لا آخذ على أمانتى شيئا. فدخل الطوّاف و هو من الفقراء و خرج و هو من الأغنياء. فبكى الجندى بكاء شديدا و انتحب، فقال له أبو حفص: علام تبكى؟ و قد أدى الله أمانتك، و قد بذل لك مالا
[١] - الهميان: كيس تجعل فيه النقود أو النفقة و يشدّ على الوسط.
[٢] - الفصوص: ما يركب فى الخواتم من الأحجار الكريمة.
[٣] - النفساء: المرأة إذا ولدت.