سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤١٨ - الباب السادس و الخمسون فى الظلم و شؤمه و سوء عاقبته
مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها»[١].
و قال اللّه تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦] فى الآية تأويلان: أحدهما أمرناهم بالطاعة ففسقوا، أى خرجوا عن الطاعة. و الثانى: على قراءة المدنى[٢]: أي كثّرنا عددهم، و أسبغنا النعم عليهم، فعصوا و تباغوا. و منه قول النبى صلى اللّه عليه و سلم: «خير المال سكّة مأبورة و مهرة مأمورة»[٣] أى كثيرة النتاج.
و اعلموا أن حشرات الأرض و هو امّها تلعن العصاة، و قال مجاهد[٤]: إذا أشعثت[٥] الأرض تقول البهائم: هذا من أجل عصاة بنى آدم، فذلك قوله تعالى: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩].
و فى الحديث عن النبى صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن الحسل لتموت بذنب ابن آدم»[٦].
يعنى: أنّ بذنوب الخلق يمتنع القطر، فلا تنبت الأرض، فتتهالك الدواب و الحشرات. و سمع أبو هريرة رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال:
«بلى و الله، إن الحبارى لتموت هزلا فى و كرها بظلم الظالم»[٧] و قال ابن مسعود: خطيئة بنى آدم قتلت الحسل.
[١] - رواه الإمام أحمد فى مسنده و الإمام مسلم عن أبى هريرة و الحديث صحيح( الجامع الصغير رقم ٥٠٤٥) قال الإمام مسلم هذا الحديث من معجزان النبوة فقد وقع ما أخبر به النبى صلى اللّه عليه و سلم و معنى رءوسهن كأسنمة البخت: اى يغطّين رءوسهن بالخمر و العمائم و غيرها حتى تشبه أسنمة البخت( و البخت كلمة أعجمية معرّبة و هى الإبل الخراسانية) صحيح مسلم ج ٤/ رقم ٢١٢٨ ص ٢١٩٢).
[٢] - قراءة المدني قالون: مقرئ المدينة و تلميذ نافع الإمام المجوّد النحوي أبو موسى عيسى بن مينا، كان ربيب نافع فلقبه بقالون لجودة قراءته، و تلا عليه ابنه أحمد و الحلواني و عدّة غيرهم، مات سنة ٢٢٠ ه، و قراءته( آمرنا)، و القراءة المشهورة هي قراءة أَمَرْنا كما ذكر ابن كثير فى تفسير الآية( ٣/ ١٩).
[٣] - رواه الإمام أحمد( ٣/ ٤٦٨) و الطبرانى فى الكبير عن سويد بن هبيرة بلفظ( خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة) و قال: رجال أحمد ثقات. و معنى مهرة مأمورة: أى كثيرة النتاج، و معنى سكة مأبورة: اى السكة و الطريق من النخل قد أبّر أو لقّح( شرح السنة- البغوى- ج ١٠/ ٣٨٧).
[٤] - هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكى، شيخ القراء و المفسرين من التابعين، أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل آية يسأله: فيم نزلت و كيف كانت، قيل إنه مات و هو ساجد سنة ١٠٤ ه.( سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩).
[٥] - أشعثت الأرض: اى لم ينبت زرعها.
[٦] - الحسل: ولد الضب. و لم أعثر على الحديث في أي من كتب الحديث المعروفة.
[٧] - انظر تفسير ابن كثير( ٢/ ٥٧٤).