سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٦ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و الثالث فأكلهما، و عبد اللّه ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت، قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، و إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت رده، قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا، قال عبد اللّه بن جعفر: ألام على السخاء و هذا أسخى مني؟
فاشترى الغلام و الحائط و ما فيه من الآلات، فأعتق الغلام و وهب ذلك له.
و قال الثوري[١]: رأيت محمد بن سوقة[٢] بالغداة، صاحب مائة ألف، و بالعشي سألنا له من أصحابه خبزة.
و قال أبو عبد الرحمن[٣]: دخل أبو عبد اللّه الروذباري[٤]، إلى دار بعض أصحابه فوجده غائبا، و هناك بيت مقفل، فكسر القفل، و أمر بجميع ما وجد فيه من المتاع، فانفذوه إلى السوق فباعوه، و أصلحوا به وقتا من الثمن[٥]، فجاء صاحب الروذباري فلم يقل شيئا، فدخلت امرأته بعدهم الدار،- و عليها كساء- فدخلت بيتا و رمت بالكساء، و قالت: يا أصحابنا: هذا أيضا من جملة المتاع فبيعوه، فقال زوجها: لم تكلّفت هذا باختيارك؟ فقالت: اسكت، مثل هذا الشيخ يباسطنا و يحكم علينا، و يبقى لنا شيء ندخره عنه؟!.
و أما عبد الله بن بحر فورث خمسة آلاف درهم، فبعث بها إلى إخوانه صررا، و قال: ما كنت لأسأل لإخواني الجنة في صلاتي، و أبخل عليهم بحلالي.
و يروى أن الأشعث بن قيس[٦]، أرسل إلى عدي بن حاتم[٧]، يستعير منه قدرا كانت لأبيه حاتم، فملأها و بعث بها إليه و قال: إنا لا نعيرها فارغة.
[١] - هو سفيان الثورى، سبقت ترجمته.
[٢] - محمد بن سوقه من القراء و أهل العبادة و الفضل.
[٣] - أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الأزدى النيسابورى من علماء المتصوفة.
[٤] - أبو عبد اللّه الروذبارىّ: أحمد بن عطاء شيخ الصوفية فى وقته، مات سنة ٣٦٩ ه.
[٥] - أى أرسلوه إلى السوق و اشتروا به حاجات من الثمن الذى باعوه به.
[٦] - الأشعث بن قيس بن معدىكرب: أمير كندة فى الجاهلية و الإسلام، و كانت إقامته فى حضر موت، أسلم و شهد اليرموك كان من المرتدين فى أيام أبى بكر ثم أسر و جيء به إلى أبى بكر، و تاب و حسن إسلامه و اشترك فى الغزوات بعد ذلك ثم اشترك مع عليّ رضي الله عنه فى صفين، و مات فى الكوفة سنة ٤٠ ه، و أخباره كثيرة فقد كان من ذوى الرأى و الإقدام و الهيبة،( الأعلام ١/ ٣٣٢).
[٧] - عدى بن حاتم الطائى: أمير، صحابى، من الأجواد العقلاء، كان رئيس طىء فى الجاهلية و الإسلام، أسلم سنة ٩ ه، و هو ابن حاتم الطائى الذى يضرب المثل بجوده و كرمه. سكن الكوفة و شهد الجمل و صفين مع عليّ رضي اللّه عنه و مات بالكوفة سنة ٦٨ ه،( الأعلام ٤/ ٢٢٠).