سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٥ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و قال الأستاذ أبو علي: لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة، أمر بضرب أعناقهم، فأما الجنيد فإنه تستر بالفقه، و كان يفتي على مذهب أبي ثور، و أما الشّحام و الرّقام و النوري و جماعة[١] فقبض عليهم، و بسط النطع لضرب أعناقهم، فتقدم النوري أمامه، فقال له السياف: أ تدري لما ذا تتقدم و تسابق؟ قال: نعم، قال: و ما ذا يعجلك؟ قال: أوثر أصحابي بحياة ساعة، فتوقف السياف عن قتله. و أتى الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم، فألقى القاضي على أبي الحسن النوري مسائل فقهية، فأجاب عن الكل، ثم أخذ يقول: إن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله، و إذا نطقوا نطقوا باللّه، و سرد ألفاظا حتى أبكى القاضي، فأرسل إلى الخليفة و قال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم.
و لما مرض قيس بن سعد بن عبادة، استبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى اللّه مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر من ينادي: من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل، فكسرت عتبة بابه بالعشيّ لكثرة العواد.
و يروى أن عبد اللّه بن جعفر[٢]- و كان أحد الأجواد- خرج إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم، و فيها غلام أسود يقوم عليها، فأتى بقوته- ثلاثة أقراص- و دخل كلب و دنا من الغلام، فرمى إليه بقرص فأكله، ثم رمى إليه بالثاني
[١] - ذكرت هذه الحكاية في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي( ٥/ ١٣٤) بعنوان( محنة الصوفية).
و الأستاذ أبو علي هو أبو علي الدقّاق. و غلام خليل: هو شيخ بغداد الزاهد الواعظ أحمد بن محمد ابن غالب بن مرداس له أمر المعروف و نهي عن المكر و لكنه يروي الأحاديث الكذب و يرى وضع الحديث، نسأل الله العافية. و أما الخليفة: فهو المعتمد على اللّه أحمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم ولي سنة ٢٥٦ و كانت أيام ملكه مضطربة بسبب تدبير الموالي و غلبتهم عليه و مات في بغداد سنة ٢٧٩ ه.
و أما الجنيد و الشحام و الرقام و النوري ... فهم من علماء الصوفية و لهم كرامات ذكرها البغدادي و ذكرت في حلية الأولياء و قد توفى الجنيد النهاوندي سنة ٢٩٨ و أبو الحسين النوري ٢٩٥ ه.
و الشحام من يبيع الشحم و هو أبو سلمة عثمان الشحام، و الرقام من يرقم الثياب أو يميز الأشياء بأرقام و هو أبو الوليد عياش بن الوليد الرقام.
أما أبو ثور فهو الإمام الحافظ الفقيه إبراهيم بن خالد بن أبى اليمان أبو ثور صاحب الإمام الشافعى أحد أئمة الدين مات ببغداد سنة ٢٤٠ ه.
( انظر: تاريخ بغداد ج ٥/ ١٣٤، و حلية الأولياء ج ١٠/ ٢٤٩، و اللباب فى تهذيب الأسماء ٢/ ٣٤).
[٢] - عبد الله بن جعفر بن أبى طالب: صحابى ولد بالحبشة لما هاجر أبواه إليها، أتى البصرة و الكوفة و الشام، و كان كريما يسمى: بحر الجود، كان أحد الأمراء فى جيش على يوم صفين، مات بالمدينة سنة ٨٠ ه.( الأعلام ٤/ ٧٦).