سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٥٧ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
و لم يوجد له شفاء، ثم إنّ السلطان دسّ على قتله، فأرصد له رجل معه خنجر، فلما جاء فى بعض دهاليز القصر، وثب عليه الرجل و ضربه بالخنجر، فجاءت الضربة فى أسفل خاصرته، فأصاب طرف الخنجر المعى- الذى هو: القولنج- فخرج ما فيه من الخلط، ثم عافاه الله تعالى، فصح و برئ كأحسن ما كان.
و لما كنت بالإسكندرية نزلت سفن العدو بساحل مدينة (برقا)[١] فأخذوا قوما من المسلمين، و قتلوا بعضهم، و أسروا بعضهم، فأخذ رجل منهم و شدّ كتافه من خلفه، فلما نهبوا السفينة، عمد إليه بعض الأعلاج[٢] فرفسه و ألقاه فى البحر، ثم طعنه برمح كان معه، فلم يخطئ نصل الرمح حبل الكتاف فقطعه و انحلت يد الرجل، فسبح حتى لحق بالشاطئ سليما، و وصل إلى الإسكندرية فى عافية.
و حدثنى بعض الشّاميّين: ان رجلا خبّازا، بينما هو يخبز فى تنّوره بمدينة دمشق، إذا عبر عليه رجل يبيع المشمش، قال: فاشترى منه، و جعل يأكل بالخبز الحار، فلما فرغ سقط مغشيا عليه، فنظروا فإذا هو ميت، فجعلوا يتربصون به، و يحملون له الأطباء، فيلمسون دلائله و مواضع الحياة منه، فقضوا بأنه ميت، فغسّل، و كفّن، و حمل إلى الجبّانة، فبينا هم خارجون به من باب المدينة، استقبلهم رجل طبيب يقال له: اليبرودي[٣]- و كان طبيبا ماهرا حاذقا بالطب- فسمع الناس يلهجون بقصته، فقال لهم: حطوه حتى أراه، قال: فحطّوه، و جعل يقلبه و ينظر فى أمارات الحياة التى يعرفها، ثم فتح فمه، و سفّفه شيئا- أو قال حقنه- فاندفع ما هنالك يسيل، و إذا الرجل قد فتح عينيه، و تكلم، و عاد كما كان إلى دكانه.
و كان رجل يمشى ببغداد، فبينما هو فى الطريق إذا بدار قد وقعت عليه، فخرّت كالجبل العظيم، و إذا فى الحائط طاقة، فما أخطأت رأسه فصارت الدار كوما، و خرج الرجل من الطاقة سليما.
[١] - برقة: شبه جزيرة فى ليبيا، شرقى خليج سرت، فى شماليها هضبة الجبل الأخضر.
[٢] - العلج: الرجل الضخم القوى من كفار العجم و بعضهم يطلقه على الكفار عموما.
[٣] - اليبرودي: نسبة إلى يبرود- قرية قرب دمشق و بها نصارى كثير- و هو أبو الفرج جورجس بن يوحنا بن سهل بن إبراهيم من النصارى اليعاقبه، كان فاضلا في صناعة الطب عالما بأصولها و فروعها معدودا من جملة الأكابر من أهلها، توفي بدمشق( انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ١/ ٦١٠ و ما بعدها).