سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٣٨ - و النصح لجميع الملل
و قال جابر بن عبد الله: [بايعت النبي صلى اللّه عليه و سلم على السمع و الطاعة، فلقّنني:
فيما استطعت، و النصح لكل مسلم][١].
و روي أنس أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه»[٢].
و قال أبو الدرداء: العلم يبلغه البرّ و الفاجر، و الحكمة ينطق بها البرّ و الفاجر، و النصيحة لله تعالى، لا تثبت إلا في قلوب المنتخبين، الذين صحّت عقولهم، و صدقت نيّاتهم، و اعلم أن جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم.
و كان عمر بن الخطاب، رحمه الله يقول: رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي.
و قال ميمون بن مهران[٣]: قال لي عمر بن عبد العزيز رحمه الله: قل لي في وجهي ما أكره، فإنّ الرّجل لا ينصح أخاه، حتى يقول له في وجهه ما يكره.
و قال مالك: النصيحة لله في أرضه، هي التي بعث بها أنبياءه.
و من أمر الإسلام القصد و النّصيحة لعباد الله في أمورهم، و النفوس مستثقلة للنصح، نافرة عن أهله، و مائلة إلى ما وافق هواها.
و في منثور الحكم: ودّك من نصحك، و قلاك من مشى في هواك، و كان يقال: أخوك من احتمل ثقل نصيحتك.
و قال بعضهم شعرا:
|
عرضت نصيحة منّي لزيد |
فقال غششتني و النّصح مرّ |
|
|
و ما لي أن أكون نصحت زيدا |
و زيد طاهر الأثواب برّ |
|
|
و لكن قد أتاني: أنّ زيدا |
يقال عليه في مغناه شرّ[٤] |
|
|
فقلت له تجنّب كلّ شيء |
يقال عليك إنّ الحرّ حرّ |
|
و قال آخر:
|
و على النّصوح نصيحتي |
و عليّ عصيان النّصوح[٥] |
|
[١] - هذا الحديث متفق على صحته، رواه البخاري في البيوع، و أخرجه مسلم في الإيمان( باب بنيان أن الدين النصيحة) عن طريق جرير بن عبد الله البجلي أبو عمرو( و ليس جابر).
[٢] - هذا الحديث متفق على صحته رواه البخاري في الإيمان و مسلم في الإيمان و النسائي في الإيمان و زاد( من الخير)( شرح السنة- الإمام البغوي ج ١٣/ ص ٦٠).
[٣] - ميمون بن مهران الرقي: فيقة و قاضي كان مولى لامرأة من الكوفة و أعتقته ثم استوطن الرقّة و استعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها و قضائها كان ثقة في الحديث كثير العبادة، و في مقدمة المجاهدين توفي سنة ١٠٨ ه.( الأعلام ٧/ ٣٤٢).
[٤] - مغناه: المكان الذي يصبح به غنيا عن الناس.
[٥] - النّصوح: الذي يبالغ في النصح.